صالح الشادي
نشاهد يومياً، عبر شاشاتنا، مشاهد الانهيار التي تكاد تطبع في أذهاننا صورةً يومية للخراب: فيضانات تبتلع مدناً بأكملها، زلازل تمحو قرىً وتقتلع الجبال، عواصف تقتلع أشجاراً عتيقة، أمطار غزيرة تحوّل الشوارع إلى أنهار جارفة، وحروباً تمزق أواصر البشر وتُفني الأخضر واليابس. في المشهد الإعلامي الصاخب، يسارع الخبراء إلى تقديم تفسيراتهم المحكمة: انزياح صفائح، اضطراب في التيار النفاث، ظاهرة النينو، أزمة مياه، صراع مصالح. وهم محقون بالطبع، فهذه هي الأدوات التي بين أيدينا لفهم «كيف» حدث الأمر.
لكن ثمة سؤال آخر، أكثر هدوءاً، يكاد يضيع في زحام الأرقام والتحليلات: ذلك السؤال القديم عن «لماذا» الذي لا يبحث عن سبب فيزيائي، بل عن معنى وجودي يليق بحكمة من خلق هذا الكون المحكم.
في النص القرآني الذي بين أيدينا، نجد إشارة صريحة ولطيفة إلى هذه الظواهر، حيث يقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41). تأمل هذه الآية بعيداً عن نبرة التهديد، إنها تصف علاقة كونية بالغة الدقة: كأن الكون مرآة صافية تعكس ما نصنعه بأنفسنا. ليست المسألة عقاباً نازلاً من علو، بل هي كالرنين الطبيعي الذي يحدث عندما نخلخل نظاماً دقيقاً؛ فالفساد الذي نمارسه كبشر ظلماً وجشعاً وإسرافاً في الأرض، يخلق خللاً في التوازن، فيرتد إلينا على هيئة فيضانات وجفاف.
لاحظ هنا التعبير الإلهي الجميل {لِيُذِيقَهُم» وليس «ليُعاقبَهُم}، إنه إذاقة ألم خفيف، وكأنها صفعة رفيقة لإيقاظ الوعي، لا سوط عذاب. الهدف الأسمى في هذه الآية هو «لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»؛ أي العودة إلى الجادة، إلى الفطرة السوية، إلى التصحيح الأخلاقي، وهي غاية متعالية بالغة الرحمة والحكمة، تليق بمن هو أرحم الراحمين.
ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر، حيث يقول سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (الشورى: 30). فهنا تظهر بوضوح سمة العفو الإلهي، فالله لا يؤاخذنا بكل ذنب، بل ما يصيبنا هو بعضٌ مما كسبنا، والعفو يشمل الكثير.
إنها رؤية دقيقة تجمع بين مسؤولية الإنسان وسعة رحمة الخالق، وكأن المعادلة ليست «ذنب يعاقب بعقاب»، بل «خلل يواجه بتنبيه، مع بقاء باب العفو مفتوحاً على مصراعيه». وهذا يضع الأحداث الكونية في سياقها الحقيقي: ليست نهاية العالم، بل هي محطات تأمل تُعيد توجيه البوصلة.
لكن السؤال الأعمق: لماذا نحن اليوم، في تحليلاتنا العامة وإعلامنا الصاخب، نُخرج هذا البعد الأخلاقي من حساباتنا؟ لعل السبب يعود إلى أننا أصبحنا نحب تفسيراتنا المريحة التي لا تكلفنا مراجعة الذات. فالتفسير المادي المحض يُريح الضمير الجمعي؛ عندما نقول «إنها الطبيعة»، نكون قد برأنا ساحتنا من عناء السؤال عن ظلمنا كبشر على هذا الكوكب للفقراء، أو إسرافنا في الموارد، أو كذبنا في العلاقات. إنه هروب لطيف من مسؤولية المعنى نحو بر الأمان الآلي. ومع ذلك، تبقى الفطرة الإنسانية صوتاً خفياً لا يهدأ، فهي في لحظات الخطر الأقصى، حين ترتجف الأرض، تتناسى كل النظريات الجيولوجية، وتنفلت منها دعوة عفوية لمن يدبر هذا الكون، وكأنها تعترف بحدسها الفطري بأن للكون رباً حكيماً، وأن لهذه الأحداث حكمة لا تدركها الحواس.
والنص القرآني يضيء لنا هذه الحكمة البالغة في قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (الإسراء: 59). هنا يصف الله الظواهر الكونية بأنها «آيات» وليس مجرد ظواهر طبيعية، والغاية منها «التخويف»، وهي كلمة تحمل معنى الإيقاظ لا الإرهاب، أي إثارة الخشية البناءة التي تدفع إلى التأمل واليقظة، وليس الخوف المهلك. فالمتأمل في هذه الآيات يجدها دعوة مستمرة للنظر في عواقب الأفعال، وكأنما الكون يقرأ ما في قلوبنا ويترجمه بلغة الفيضانات والزلازل.
عندما نتعمق في القصص القرآني عن الأمم السابقة، كعاد وثمود، لا نجد أن هلاكهم كان بسبب نقص في القوة أو التكنولوجيا، بل بسبب الاستكبار والظلم الذي بلغ حداً أفقدهم التوازن. لم يكن العقاب الإلهي تعسفياً، بل كان نتيجة حتمية لسنن إلهية ثابتة، تماماً كمن يضع يده في النار فيحترق، فالنار ليست عقاباً بقدر ما هي نتيجة حتمية لمخالفة قانونها. والله، بعلمه المحيط وحكمته البالغة، يضع هذه السنن لتكون مذكراً دائمًا. لذا، فهذا «الفصل العجيب» بين الدين والدنيا في خطابنا المعاصر ليس فصلاً حقيقياً، بل هو انشغال منا بالأدوات عن الغايات، وبالظواهر عن الحِكم. نحن نعرف بدقة كيف نبني مبنى يقاوم الزلازل، لكننا قد نغفل عن كيفية بناء مجتمع يقاوم أسباب الخلل الأخلاقي الذي قد يكون خلف الاهتزاز نفسه.
وفي هذه النقطة بالذات، يأتي التكامل الأجمل. فالتفسير العلمي والتفسير الغيبي ليسا خصمين، بل هما وجهان لعملة واحدة، كلاهما من خلق خالق واحد. العلم يشرح لنا «الكيف» الذي حدث به الصدع، والإشارة القرآنية تذكرنا بالجانب «المعرفي» من الحدث.
إن الله، في حكمته البالغة، لم يخلق الكون آلة صماء، بل جعله كتاباً ناطقاً بالآيات؛ والآيات لا تُقرأ فقط بالمجاهر والمختبرات، بل تُقرأ أيضاً بقلوب واعية تسأل عن المعنى.
حين نبحر في التأمل، نجد أنفسنا أمام آية عظيمة تخاطب هذه الحالة الإنسانية بدقة، حيث يقول تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53). فالآفاق تهتز، والأنفس تتعب، ليس لإذلالنا، بل لكي نعود إلى يقيننا الفطري بأن لهذا الكون نظاماً خفياً وحكمة متعالية. إنها دعوة رقيقة، لا وعظية، للعودة إلى قراءة النسيج الكوني كاملاً، بدلاً من الاكتفاء بتحليل عقدة صغيرة فيه. فهل نستمع إلى هذه الآيات وهي تهتز أمامنا، بدلاً من أن نظل نرصد أمواجها على الشاشات، غافلين عن الرسالة التي تحملها؟ إنها مجرد همس خفي، يدعونا إلى استعادة الاتزان الداخلي، ونسيان شطحات الغرور العلمي لبرهة، والاعتراف بأننا جزء من قصة أكبر، خيطها الدرامي ممتد بين ما نفعله في الأرض، وما يحدث في الكون، ومُحكمته عاقلةٌ عادلةٌ رحيمة، لا تعاملنا إلا بما يستحق علمها وحكمتها.