أ.د.عثمان بن صالح العامر
كان للسفسطائيين في الزمن القديم حكاية مع الحقيقة قائمة على الخداع والمغالطة، أما سفسطائيو هذا الزمن فهم لا ينشدون الحقيقة، بل يبحثون عن الطريقة التي تجعلك تقتنع بأنهم على حق!
يستطيع الواحد منهم أن يقنعك اليوم بأن الكذب ضرورة من ضرورات الحياة، وأن الصراحة سذاجة، وأن الوصول إلى الهدف أهم من الطريق، ثم لا يمضي يوم حتى يعود إليك بوجه آخر، وبنبرة أكثر وقارًا، ليشرح لك أن الصدق وحده هو حبل النجاة، وأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا مبادئ!
السفسطائي الجديد لا يملك مبدأ ثابتًا، لكنه يملك مخزونًا هائلًا من المبررات.
إذا احتاج إلى الكذب، حدثك عن «الذكاء الاجتماعي»، وإذا احتاج إلى الصمت، حدثك عن «الحكمة»، وإذا احتاج إلى التملّق، سماه «دبلوماسية»، وإذا احتاج إلى الانتهازية، سماها «واقعية»، وإذا احتاج إلى تغيير موقفه، سماه «مرونة».
أما إذا فعل خصمه الشيء نفسه، تتغير المصطلحات فجأة: يصبح الكذب تضليلًا، والصمت تواطؤًا، والتملّق نفاقًا، والانتهازية سقوطًا، وتغيير المواقف بلا مبدأ.
إنها عبقرية المعايير المزدوجة!
المبدأ عنده ليس قاعدة تحكم سلوكه، بل قطعة أثاث يضعها في المكان الذي يناسب الديكور.
والأكثر إثارة للدهشة أن السفسطائي الجديد لا يطلب منك دائمًا أن تؤمن بما يقول؛ يكفيه أن تتظاهر بأنك تؤمن به.
فهو يعرف أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى فتوى أخلاقية تريح ضميره.
وهكذا تتحول اللغة إلى مغسلة أخلاقية؛ تدخل إليها الأفعال القبيحة بأسمائها الحقيقية، وتخرج منها بأسماء ناعمة تصلح للتداول في المجالس والمنصات. دمتم بخير، وإلى لقاء، والسلام.