د. هبة توفيق أبو عيادة
النية هي ذلك الجزء الخفي في الإنسان الذي لا يراه الناس، لكنه يحدد كثيرًا من قيمة ما نفعله. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فالعمل قد يبدو واحدًا في ظاهره، لكن ما يسكن خلفه قد يكون مختلفًا تمامًا.
شخصٌ يساعد محتاجًا لأنه يريد وجه الله، وآخر يساعده حتى يقال عنه كريم، وكلاهما قدم الشيء نفسه في أعين الناس، لكن الحقيقة التي لا يراها الناس يعلمها الله.
قارئنا الكريم، كم من أشياء فعلناها في حياتنا ولم يعرف أحد السبب الحقيقي وراءها؟ وكم من موقفٍ صمتنا فيه، لا لأننا عاجزون عن الرد، وإنما لأننا كنا نبحث عن رضا الله أكثر من بحثنا عن انتصارٍ مؤقت أمام الناس؟ وكم من عملٍ بسيط مرّ من أمام الآخرين عابرًا، لكنه لم يكن عابرًا عند الله؟
وهنا تكمن عظمة النية، أنها لا تحتاج إلى جمهور حتى تكون صادقة، ولا تحتاج إلى تصفيق حتى تكون عظيمة، فقد تفعل خيرًا ولا يعرف أحد أنك فعلته، وقد تبذل من وقتك وجهدك الكثير ثم تنتهي القصة دون كلمة شكر، وقد تختار الصمت في موقفٍ كان بإمكانك فيه أن تنتصر بالكلام، لكنك تذكرت أن بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر لأجلها سلام قلوبنا.
نحن في زمن أصبح فيه الإنسان شديد الالتفات إلى نظرة الآخرين إليه. نبحث عن التقدير، ونراقب ردود الأفعال، ونشعر أحيانًا أن ما لا يراه الناس وكأنه لم يحدث. لكن الله لا يقيس الأمور بالطريقة نفسها. فما يراه الناس لحظة، يراه الله بكل تفاصيلها؛ يعلم خوفك وأنت تقدم، ويعلم ترددك قبل أن تساعد، ويعلم أنك كنت قادرًا على الإساءة واخترت الإحسان، ويعلم أنك تحملت كلمة جارحة ولم ترد عليها، لأنك لم ترغب أن يتحول غضب لحظة إلى ندم طويل. ولذلك، قد يكون أجمل ما تقدمه في حياتك شيئًا لن يعرفه أحد.
- قد تكون أمًا تتعب كل يوم في رعاية أبنائها، ولا تجد من يسألها عن تعبها، لكنها تحتسب ما تفعله عند الله.
- وقد يكون موظفًا يؤدي عمله بأمانة في مكان لا يراقبه فيه أحد، فيرفض أن يستغل غياب الرقابة.
- وقد يكون طالبًا يجتهد، لا ليثبت للآخرين أنه الأفضل، بل لأنه يعرف أن العلم مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي ليس في أن تسبقه إلى الأمام، وإنما في أن يؤدي ما عليه بإخلاص. وهنا تتحول الأشياء العادية إلى أعمال ذات معنى، لأن النية منحتها قيمتها. لكن علينا أن ننتبه إلى أمر مهم؛ فالنية الصالحة لا تعني أن كل ما نفعله يصبح صحيحًا لمجرد أننا قصدنا به الخير. قد يريد الإنسان الخير، لكنه يختار الطريق الخطأ، وقد يساعد شخصًا بطريقة تؤذيه دون أن يقصد.
ولهذا فالإخلاص يحتاج إلى وعي، والنية الطيبة تحتاج إلى عمل صحيح، كما تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى لا تختلط بالرغبة في الظهور أو انتظار المقابل. كم مرة قلنا لأنفسنا إننا لا نهتم برأي الناس، ثم اكتشفنا أننا كنا نبحث عن كلمة مدح؟ وكم مرة شعرنا بالضيق لأن أحدًا لم يقدر ما فعلناه؟ ربما لا تكون المشكلة في أن نحب التقدير، فهذا أمر بشري، وإنما المشكلة حين يصبح تقدير الآخرين هو السبب الوحيد الذي يجعلنا نفعل الخير. لذلك اسأل نفسك من وقت إلى آخر: لو لم يعرف أحد ما فعلت، هل كنت سأفعله؟ ولو لم يشكرني أحد، هل كنت سأكمل؟ ولو لم يرَ الناس تعبي، هل سيظل ما أفعله مهمًا بالنسبة لي؟ هذه الأسئلة ليست لإدانة أنفسنا، وإنما لتصحيح الطريق.
والجميل في النية أن الإنسان يستطيع أن يجددها في كل لحظة. قد تبدأ عملًا بقصد، ثم تشعر أن شيئًا تغير في داخلك، فتعود وتصحح نيتك، وقد تمر بموقفٍ تنكشف فيه لنفسك حقيقة لم تكن تعرفها، فتتعلم منها. فالإنسان ليس ثابتًا، والقلوب تتغير، ولهذا نحن بحاجة دائمة إلى أن نراجع دواخلنا قبل أن ننشغل كثيرًا بمظهر أفعالنا.
ولعل أعظم الطمأنينة أن تعرف أن الله يعلم ما لم تستطع شرحه للناس. يعلم صدقك حين أُسيء فهمك، ويعلم نيتك حين حكم عليك الآخرون من ظاهر موقفك، ويعلم كم مرة حاولت أن تفعل الصواب ولم توفق. لذلك لا تجعل حياتك كلها محاولات لإثبات نفسك للناس؛ يكفي أن تكون صادقًا مع الله، وصادقًا مع نفسك، وأن تفعل ما تستطيع بما استطعت من إخلاص. فالناس يرون الصورة، أما الله فيعلم القصة كاملة.
وفي الختام ، قد ينسى الناس كلماتك، وقد لا يتذكر أحد المواقف الصغيرة التي بذلت فيها وقتك أو مشاعرك أو جهدك، لكن ما كان لله لا يضيع. فراقب نيتك قبل عملك، وجددها بعده، ولا تحزن على خير فعلته ولم تجنِ منه شكرًا، فربما كان أعظم أجرٍ لك أن الله وحده كان شاهدًا عليه. للنية صوتٌ لا تسمعه آذان البشر، لكنه يصل إلى الله بوضوح. فاجعل هذا الصوت دائمًا صادقًا، لأن بعض أجمل أعمالنا هي تلك التي لم يعرف بها أحد... وعرفها الله.