د. أحمد محمد القزعل
لم يعد الاستهلاك في العصر الحديث مجرد وسيلة لتلبية الحاجات الأساسية، بل تحول إلى نمط حياة يعكس أحيانًا هوية الفرد ومكانته الاجتماعية وطموحاته. فالإقبال على السلع والخدمات يحرك عجلة الاقتصاد ويحفز الإنتاج والابتكار، ويسهم في تحسين جودة الحياة، غير أن تحوله إلى غاية بحد ذاته قد يجعل الإنسان أسيرًا للرغبة في الامتلاك والمنافسة الاجتماعية.
تتداخل عوامل عديدة في تشكيل ثقافة الاستهلاك، يأتي في مقدمتها تأثير الإعلان والإعلام والتقليد والرغبة في مواكبة الآخرين إلى جانب مستوى الدخل والقدرة الشرائية، كما أسهم التطور التكنولوجي في توسيع الخيارات أمام المستهلك وجعل الوصول إلى المنتجات والخدمات أسرع وأسهل من أي وقت مضى.
ومع ذلك فإن كثرة الخيارات لا تعني بالضرورة حسن الاختيار إذ يحتاج المستهلك إلى وعي يساعده على التمييز بين الحاجة والرغبة وبين الإنفاق الضروري والاستهلاك المفرط.
وهنا يقدم الإسلام رؤية متوازنة تقوم على الاعتدال والقناعة وحسن استخدام النعم، فلا يدعو إلى حرمان الإنسان من الطيبات ولا إلى الانغماس في الملذات بلا حدود، وإنما يضع الاستهلاك في إطار المسؤولية ويحذر من الإسراف والتبذير، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].
ومن ثم فإن بناء ثقافة استهلاكية رشيدة يتطلب نشر الوعي المالي وتشجيع الادخار وترسيخ القناعة والابتعاد عن الاستهلاك الذي يقود إلى الديون إلى جانب دعم المنتجات المستدامة واحترام حقوق المنتج والمستهلك والبيئة.
إن المشكلة ليست في الاستهلاك ذاته وإنما في غياب الوعي الذي يضبطه، فالاستهلاك المسؤول لا يحرم الإنسان من متع الحياة، بل يجعله أكثر قدرة على الاستفادة من موارده ويحفظ توازنه المالي والاجتماعي ويحول دون أن يصبح أسيرًا للإعلان والمظاهر.
وبين الحاجة والرغبة يظل الاعتدال هو الطريق الذي يحفظ للإنسان ماله وللمجتمع توازنه وللموارد حقها في الاستدامة.