د. عبدالحق عزوزي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تكنولوجية تضاف إلى سلسلة التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية، بل أصبح عنصراً مركزياً في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة والأمن والعلاقات الدولية. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس فقط: إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتطور؟ بل، قبل ذلك، أي نوع من المستقبل نريد أن نبنيه بواسطة هذه التكنولوجيا؟ ومن سيحدد القواعد الأخلاقية التي تحكم استخدامها؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة بمناسبة المنتدى العالمي الرابع لليونسكو حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي تستضيفه الرياض من 14 إلى 17 سبتمبر 2026، بتنظيم مشترك بين اليونسكو والمملكة العربية السعودية، ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي ومركز ICAIRE. ويجمع المنتدى ممثلين عن الحكومات والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمناقشة سبل تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه وفق المبادئ الأخلاقية التي كرستها توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ومن بين القضايا الأساسية المطروحة في هذا السياق العلاقة بين الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي والمستقبل المشترك الإنساني؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم مساهمة هائلة في مواجهة تغير المناخ، وتحقيق الأمن الغذائي، وتطوير الخدمات الصحية، والاستجابة للأزمات، وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ وهي تحديداً بعض المحاور التي ستتناولها جلسة “الذكاء الاصطناعي من أجل الناس: نحو مستقبل مشترك” خلال المنتدى. غير أن التكنولوجيا لا تحمل في ذاتها قيماً أخلاقية.
فهي تستطيع أن تكون أداة للتنمية والتقارب بين الشعوب، كما يمكن، إذا غابت عنها الضوابط، أن تتحول إلى مصدر جديد للتمييز وعدم المساواة والاستقطاب. ويمكن للخوارزميات، مثلاً، أن تساعد على تشخيص الأمراض وتحسين التعليم، لكنها تستطيع أيضاً أن تعيد إنتاج التحيزات الاجتماعية أو تهدد الخصوصية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في بناء السلام، لكنه قد يستخدم كذلك في التضليل الإعلامي أو في تطوير أشكال جديدة من الصراع.
لهذا السبب، لا يمكن ترك مستقبل الذكاء الاصطناعي للمهندسين أو الشركات أو الحكومات وحدها.
نحن بحاجة إلى حوار عالمي متعدد الأطراف تشارك فيه الدول والجامعات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني والمفكرون وممثلو الثقافات والأديان المختلفة. فالذكاء الاصطناعي قضية إنسانية وحضارية قبل أن يكون قضية تقنية.
وفي هذا الإطار يكتسب إعلان فاس حول مستقبل الحضارة الإنسانية في عصر الذكاء الاصطناعي أهمية خاصة.
فقد جاء هذا الإعلان الذي كان لنا شرف قراءته ثمرة لقاء دولي واسع نظمناه بمدينة فاس المغربية يومي 27 و28 أبريل 2026، بمشاركة 2100 شخصية ومشارك من 74 دولة، في إطار تعاون جمع الجامعة الأورومتوسطية بفاس وكرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات ورابطة العالم الإسلامي وتحالف الأمم المتحدة للحضارات.
وقد أكد الإعلان ضرورة وضع الإنسان وكرامته في قلب الثورة الرقمية، وربط الابتكار بالمسؤولية، والتقدم التكنولوجي بالأخلاق، والذكاء الاصطناعي بثقافة السلام والحوار والتعاون الدولي.
إن القيمة الأساسية لإعلان فاس تكمن في أنه ينقل النقاش من سؤال “ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل”؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: “ماذا نريد نحن، كبشر، أن نفعل بالذكاء الاصطناعي”؟ فالمستقبل لا تحدده الخوارزميات وحدها، بل تحدده الخيارات السياسية والأخلاقية والحضارية التي نضعها نحن.
ومن هنا يمكن أن يلتقي روح إعلان فاس مع رؤية اليونسكو: ذكاء اصطناعي في خدمة الإنسان، لا إنسان في خدمة الآلة؛ ذكاء اصطناعي يقلص الفجوات بدل تعميقها، ويحمي التنوع الثقافي بدل توحيد البشر داخل نماذج جامدة، ويعزز السلام بدل توظيفه في النزاعات.
إن بناء مستقبل مشترك يتطلب اليوم أن ننتقل من مرحلة الانبهار بالتكنولوجيا إلى مرحلة الحوكمة المسؤولة لها. وليس الهدف إبطاء الابتكار، بل منحه بوصلة أخلاقية. فالتقدم الحقيقي لن يقاس فقط بقدرة الآلات على التفكير بسرعة أكبر، وإنما بقدرة الإنسان على جعل هذه القوة الجديدة أداة لخدمة الكرامة الإنسانية والسلام والتنمية والعيش المشترك.
وفي النهاية، فإن مسؤوليتنا الجماعية تقتضي ألا نسمح بأن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة منفصلة عن القيم الإنسانية، بل أن نجعله امتداداً لقدرتنا على البناء والتضامن والإبداع.
ومن هذا المنطلق، يشكل إعلان فاس دعوة مفتوحة إلى المجتمع الدولي لصياغة عقد أخلاقي عالمي جديد، يضمن أن يبقى الإنسان هو الغاية، وأن تظل التكنولوجيا وسيلة لخدمة مستقبله المشترك.