باسم سلامة القليطي
لا يعيش الإنسان الأحداث كما وقعت، بل كما فهمها، وكما أعاد روايتها في داخله. فالحادثة لا تدخل الذاكرة مجردة، وإنما بعد أن يكسوها العقل بالتفسير، ويمنحها اسماً، ويضعها في سياق. ولهذا قد يعيش اثنان التجربة نفسها، ثم يخرج أحدهما منها وهو يرى نفسه ناجياً، بينما يخرج الآخر مقتنعاً بأنه ضحية.
لم يتغير الحدث، وإنما تغيرت الحكاية، وربما لهذا لا تصنعنا الأيام بقدر ما تصنعنا الروايات التي نؤلفها عنها. نحن لا نحمل الماضي على ظهورنا، بل نحمله في اللغة التي نصفه بها، وفي الجمل التي نكررها لأنفسنا حتى تتحول، من حيث لا نشعر، إلى جزء من هويتنا، ومن هنا تبدأ النجاة، أو يبدأ الغرق.
ولعل هذا ما يجعل العقل البشري يرفض الفوضى بطبيعته. فالإنسان لا يحتمل الأحداث المبعثرة، لأنه باحث عن النظام والمعنى، ولهذا، ما إن تهدأ الصدمة الأولى حتى يبدأ سؤال خفي في التشكل: لماذا حدث هذا؟ وليس المقصود تفسيراً يُرضي الفضول، بل قصة تمنح القلب موطئ قدم.
إن المصيبة تظل ثقيلة ما دامت حادثة بلا سياق، أما حين تجد مكانها داخل قصة أوسع، فإنها تفقد شيئاً من قسوتها، لذلك لم يكن السرد اختراعاً أدبياً، بل ضرورة إنسانية. فالطفل يتعلم العالم بالحكاية، والأمم تحفظ تاريخها بالحكاية، والإنسان يحفظ نفسه بالحكاية، نحن نرتب حياتنا كما يرتب الكاتب فصول روايته؛ نحذف، ونُبرز، ونربط بين الأحداث، حتى نصنع من الفوضى شكلاً يمكن احتماله.
ومن هنا وُلد ما يسميه علماء النفس اليوم بـ«السردية الشخصية». فالإنسان لا يعيش وفق ما حدث له بقدر ما يعيش وفق تفسيره لما حدث، وقد تكون التجربة واحدة، لكن السرديتين مختلفتان تماماً.
أحدهما يقول: «لقد سقطت، إذاً أنا فاشل»، والآخر يقول: «لقد سقطت، إذاً تعلمت كيف أقف». في الحالتين لم يتغير الماضي، لكن المستقبل تغير.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: ماذا جرى؟ بل يجب أن نسأل: ما القصة التي اخترت أن أصدقها عن الذي جرى؟ لأن القصص لا تصف هويتنا فحسب، بل تصنعها. وكلما كرر الإنسان رواية معينة، ترسخت في أعماقه حتى أصبحت عدسة يرى بها نفسه والعالم.
ولعل تجربة الطبيب النمساوي (فيكتور فرانكل) تكشف هذا المعنى بوضوح. ففي معسكرات الاعتقال النازية رأى أن السجناء لم يكونوا سواء في قدرتهم على الصمود؛ فالأقدر على البقاء لم يكن الأقوى جسداً، بل من استطاع أن يمنح معاناته معنى. وبعد نجاته دوّن تجربته في كتاب «الإنسان والبحث عن معنى»، ليؤكد أن الإنسان قد يُسلب كل شيء، إلا حريته في اختيار موقفه مما يمر به. لقد أعاد صياغة قصته الشخصية، فتحولت من مأساة فردية إلى رسالة ألهمت ملايين البشر، وأثبتت أن النجاة تبدأ حين يجد الألم مكانه داخل قصة ذات معنى.
لكن الصمود ليس مجرد احتمال للألم إنه أن يتحول ما مررنا به إلى معنى، وأن تتحول الذكرى المؤلمة إلى معرفة تهدي. وليس معنى ذلك أن لكل مصيبة حكمة جاهزة، أو أن كل خسارة خير خالص، وإنما أن الإنسان يملك حرية نادرة: أن يختار موقع ألمه من قصته، هل يجعله عنواناً لها كلها، أم يجعله فصلاً مهماً فيها، لكنه ليس الفصل الأخير؟
هذه الحرية هي بداية القوة، لأن من يملك تفسير حياته يملك، إلى حد بعيد، اتجاهها، ولذلك لا تمنحنا البصيرة حياة أقل قسوة، لكنها تمنحنا قلباً أكثر اتساعاً.
إنها تعلمنا أن الصفحة التي نعيشها ليست الكتاب كله، وأن ما يبدو نهاية قد يكون بداية لا تتكشف إلا مع مرور الزمن، فالمعنى لا يمحو الجراح، لكنه يمنعها من أن تتحول إلى عبث. ليس الماضي هو أثقل ما يحمله الإنسان، بل القصة التي لم يتوقف عن روايتها عنه.
ولعل أجمل تعريف للإنسان ليس أنه الكائن العاقل، ولا الكائن الاجتماعي، بل إنه الكائن السارد للقصص، فهو يبني هويته من الحكايات التي يرويها عن طفولته، ونجاحاته، وإخفاقاته، وعن الذين مروا في حياته ثم رحلوا، وكلما نضجت هذه الحكايات، نضج صاحبها معها.
لسنا قادرين على تغيير كل ما حدث لنا، لكننا قادرون على إعادة كتابة معناه، فليست البطولة أن نمحو الألم من ذاكرتنا، فذلك مما لا نملكه، وإنما أن نمنعه من أن يصبح التعريف الوحيد لأنفسنا.
وبين شخص يقول: «هذا ما فعلته بي الحياة»، وآخر يقول: «هذا ما علمتني إياه الحياة»، تتحدد مسافة هائلة لا تُقاس بالأحداث، بل بالوعي، وربما كانت النجاة النفسية، في جوهرها، ليست هروباً من الألم، وإنما امتلاك الشجاعة لإعادة صياغته.
فالحياة لا تمنح أحداً قصة بلا انكسارات، لكنها تمنح كل واحد منا حرية أن يختار كيف تُروى تلك القصة، أستكون حكاية هزيمة، أم حكاية إنسان استطاع أن يحول جراحه إلى مصدر للنضج، وأن يجعل من أكثر فصول حياته إيلاماً بدايةً لمعناها الأعمق؟