فائز بن سلمان الحمدي
للوطن حدودٌ تراها العين، وحدودٌ لا تراها؛ فأما تلك فتحرسها الرجال، وأما هذه فتحرسها العقيدة إذا صحَّت، والعقول إذا استنارت، والبصائر إذا عرفت للحق وجهه وللباطل أقنعته وألوانه. ولعلَّ أخطر ما يُصاب به وطنٌ ألا يُؤتى من ثغرةٍ في أرضه، ولكن من ثغرةٍ في عقل أحد أبنائه؛ فإن الباب قد يُغلق في وجه عدوٍّ يحمل سلاحًا، ولا يُغلق في وجه فكرةٍ تحمل سمَّها في حروفها، حتى يكون الجرح في الفكر قبل أن يكون في الوطن، ويبدأ الهدم من حيث لا يُسمع له معول.
من هذا المعنى الكبير يُقرأ تدشين معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ برنامج «البناء العقدي»؛ فالاسم هنا ليس زخرفَ عبارة، ولكنه من المعنى بمنزلة الأساس من البنيان: بناءٌ؛ لأن النفوس لا تُحصَّن بالأماني، والعقول لا تستقيم بالمصادفة، واليقين لا ينبت في القلب نبات العشب في ليلة؛ وإنما له أصلٌ يُغرس، وعلمٌ يُورث علمًا، وبصيرةٌ تمدُّ بصيرة، حتى تقوم في باطن الإنسان قلعةٌ لا تراها الأبصار، ولكن ترى آثارها حين تهبُّ عواصف الفتن، فيضطرب ما حولها وتثبت. وإنما كانت العقيدة أولَ البناء؛ لأنها أصل النظر في الإنسان، ومنها يأخذ القلب طمأنينته، والعقل ميزانه، والسلوك وجهته. فإذا صحَّ الأصل لم تكن الشبهة إلا ريحًا تمرُّ بالشجرة الراسخة فلا تحمل منها إلا ورقًا يابسًا؛ وإذا فسد الأصل فما أسرع أن يصبح المرء نهبًا لكل صوت، ومطيةً لكل شبهة، يحسب الصياح حجة، والحماسة علمًا، والاندفاع بصيرة، ثم لا يدري أنه كلما أسرع في الطريق ازداد من الحق بُعدًا. وكان للباطل في سالف الزمن طريقٌ يقطعه حتى يبلغ صاحبه، فأصبح اليوم لا طريق له؛ لأنه في كل طريق. طُويت له المسافات، وفُتحت له النوافذ، وصارت الشبهة تجالس الفتى في خلوته، والفكرة الغريبة تدخل بيته بغير باب، والقول المموَّه يطل عليه في صورة العلم وهو من الجهل، وفي ثوب النصيحة وهو من الفتنة، وفي حرارة الغيرة وهو من الغلو؛ حتى صار من أخطر الباطل أن يأتيك باسمٍ من أسماء الحق.
وهاهنا يكون العلم حارسًا لا محفوظًا فحسب، وتكون العقيدة بصيرةً لا معلومةً فحسب.
فليس تمام التحصين أن يعرف المرء جواب الشبهة بعد أن تستقر فيه، وإنما أن يُبنى في عقله من صحة النظر ما يفضحها قبل أن تتزين له؛ وليس غاية التربية أن تنتشل الإنسان من تيار الانحراف كلما جرفه، ولكن أن تجعل في قدمه من الثبات ما لا يملك معه التيار أن يجرفه. وشتان بين عقلٍ يُداوى كلما مرض، وعقلٍ أُودعت فيه مناعة العلم؛ فهذا ينتظر الداء ليعرف دواءه، وذاك يعرف الداء من أول أعراضه فلا يدعه يستوطنه.
وهذا من أجلِّ ما يدل عليه «البناء العقدي»: أن الوقاية في عالم الأفكار أبلغ من العلاج؛ لأن الفكرة لا تدخل الرأس لتبقى فكرة، ولكنها تنحدر منه إلى القلب اعتقادًا، ثم تسري من القلب إلى الجوارح سلوكًا، ثم يفيض السلوك على المجتمع أثرًا. وما ابتدأت الفتن العظام جبالًا؛ وإنما ابتدأت ذراتٍ من الشبه لم يُبالَ بها، وخواطر من الهوى لم تُدفع، وكلماتٍ صغيرةً قيل: وما عسى أن تصنع كلمة؟ حتى صار للكلمة جند، وللخاطر راية، وللشبهة طريقٌ يمشي فيه أتباعها.
ومن هنا كان منهج أهل السنة والجماعة حصنًا منيعًا؛ بما يقوم عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، والوسطية والاعتدال، ولزوم الجماعة، والحذر من مسالك الغلو والافتراق؛ إذ لا يستقيم للمرء أن يعبد الله على جهل، ولا أن يجعل حماسته حاكمةً على العلم، ولا أن يزن الشرع باضطراب عاطفته، فإن العاطفة إذا لم يضبطها العلم كانت نارًا تحسب نفسها نورًا.
وما أكثر ما جنى الغلوُّ يوم تسمَّى غيرةً، وجنى الجهل يوم لبس ثياب الحماسة! فليس كل من اشتد صوته قويَّ الحجة، ولا كل من كثر إنكاره عظيمَ الفقه، ولا كل من حمل كلمة الحق أحسن موضعها؛ فقد تكون الكلمة حقًّا، ويكون وضعها في غير موضعها بابًا إلى باطل. وإنما العلم عقلُ الغيرة، والحكمة زمام الحماسة، والبصيرة نور الدعوة؛ فإذا انفردت الغيرة عن العلم أحرقت، وإذا انفردت الحماسة عن الحكمة اندفعت، وإذا اجتمع العلم والحكمة والبصيرة صار للدين في صاحبه جلالٌ يهدي ولا يطغى، ويثبت ولا يغلو.
وهنا يجيء شأن المنبر والداعية والمعلم؛ فهؤلاء لا يرسلون أصواتًا تنقضي بانقضاء مجالسها، وإنما يغرسون معاني قد تعيش في النفوس بعد أن تموت الأصوات. ورب كلمةٍ نزلت من عالمٍ بصير في قلب شاب فكانت بينه وبين الفتنة سدًّا لا يُرى، ورب عبارةٍ ردَّت عقلًا كان على شفا انحراف، ورب موعظةٍ أوقدت في الضمير مصباحًا واحدًا، فأطفأ بنوره ظلماتٍ كثيرة.
فالكلمة في أمر العقيدة ليست صوتًا عابرًا؛ إنها قد تكون مفتاح قلب، أو ميزان عقل، أو حارس مستقبل. وإذا كان البنَّاء يختبر أساس الجدار مخافة أن يتصدع ما فوقه، فإن بناة العقول أولى بتعاهد الأساس؛ لأن الصدع في الجدار يُرى فيُرمَّم، أما الصدع في الفكر فقد يستتر أعوامًا، ثم لا يظهر شقًّا في حجر، وإنما يظهر اضطرابًا في إنسان، وافتراقًا في مجتمع، وفتنةً في وطن. وما أخفى أولَ الهدم حين يكون في العقول، وما أفدح آخره حين يصير في الأوطان!
من هنا تتجلى قيمة ما تبذله وزارة الشؤون الإسلامية من عنايةٍ بترسيخ الوعي الشرعي والفكري؛ فهي عناية بالجذر قبل أن يُسأل عن الثمرة، وبالمنبع قبل أن يُشتكى من المجرى، وبالإنسان قبل أن يُخشى أثر الإنسان. وما أبعد الفرق بين من يطارد الانحراف في نهاياته، ومن يردم منافذه في بداياته؛ وبين من يطفئ النار إذا اشتعلت، ومن ينزع من الطريق ما تُوقد به النار.
إن الأمن ليس كله رجلًا قائمًا على ثغر، ولا عينًا ساهرةً في ليل؛ فللأمن صورةٌ أعمق وأبقى: أن يكون في عقل الشاب من العلم ما لا تجد معه الشبهة موضعًا تستوطنه، وفي قلبه من اليقين ما لا تجد الفتنة فيه بابًا تدخل منه، وفي نفسه من جلال الدين ما يمنعه أن يجعله مطيةً لغضب، أو ذريعةً لغلو، أو رايةً لهوى.
ذلك أمنٌ لا تُسمع له خُطى، ولكن تُسمع في غيابه الفتن.
والوطن يقوى بجنده، ولكنه يبقى بسلامة أفكار أبنائه؛ لأن الجندي يحرس من الوطن حدًّا، والعقيدة الصحيحة تحرس في المواطن وطنًا كاملًا من الداخل. ومن أقام الله في قلبه ميزان الحق لم تحمله صيحة، ولم تستمله راية مجهولة، ولم تسقه عاطفة عمياء إلى حيث يريد دعاة الفتنة؛ إذ يكون في صدره من البصيرة حارسٌ لا ينام.
وهكذا يصبح «البناء العقدي» أكبر من مجلسٍ يُعقد، وأبقى من برنامجٍ له ابتداء وختام؛ لأن البرامج تنقضي ساعاتها، وإنما قيمتها فيما لا ينقضي بانقضائها: أثرٌ يبقى في العقل، وميزانٌ يستقر في النظر، وحصانةٌ تسكن الضمير.
فإذا أردت أن تعرف قوة وطن، فلا تنظر إلى ارتفاع أسواره وحدها؛ وانظر إلى ارتفاع اليقين في صدور أبنائه. وإذا أردت أن تعرف مناعته، فلا تُحصِ حراسه على حدوده فحسب؛ ولكن احصِ في عقول شبابه من العلم ما يفضح الشبهة قبل أن تتزين، ومن البصيرة ما يكشف الباطل قبل أن يستعير اسم الحق.
فإن أعظم الأسوار ما لم يُبنَ حول الوطن، بل بُني في أبنائه؛ وأمنع الحصون ما لم يُشَدَّ بالحجر، بل شُيِّد بالعلم واليقين.
وحينئذ يكون «البناء العقدي» بناءين في بناء: يبني في الإنسان عقيدته، ويبني بالعقيدة إنسانه، ثم يبني بالإنسان وطنه؛ حتى يغدو كل عقلٍ مستنير ثغرًا مصونًا، وكل قلبٍ ثابت حصنًا منيعًا، وكل بصيرةٍ راشدة عينًا ساهرةً على أمن الجماعة.
فالأوطان قد تحرسها القوة زمنًا، ولكنها لا تصونها على امتداد الزمن إلا عقولٌ تعرف لماذا تحرسها، وقلوبٌ تعرف لله حقه، وللدين وسطيته، وللجماعة حرمتها، وللوطن قدره.
وهذا هو البناء الذي إذا أُحكم أساسه لم تُخشَ عليه الرياح؛ لأنه لم يُقم على وجه الأرض فتزعزعه العواصف، وإنما أُقيم في أعمق موضعٍ من الإنسان: حيث يصير اليقين عقيدة، والعقيدة بصيرة، والبصيرة سلوكًا، والسلوك أمنًا، والأمن وطنًا؛ فإذا قام الوطن في القلب، لم يجد أعداؤه إلى الوطن في الأرض سبيلًا.