علي حسين (السعلي)
في لقاء للبروفيسور حسن النعمي، جمع ثلّةً من المبدعين ونخبة النخبة من مثقفي وإعلاميي جدة، تحت إشراف جمعية آداب وفنون السرد «نالا»، بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بجدة، تقدّم الحضورَ الروائي عبده خال، الذي كان لعطر وجوده عبق من نوع مختلف، مداخلةً ومشاركةً في طرح بعض الاستفسارات من الحضور ومن مقدّم اللقاء - محدثكم -.
بدأ اللقاء الماتع بذكر عنوان هذه الأمسية الأدبية، التي وُسمت بـ«كيف تحافظ الرواية على عناصرها السردية، ولا تتحول إلى خطاب سياسي أو اجتماعي؟».
افتتحتُ الجلسة بمقدمة شاعرية نالت استحسان الحضور، ثم تناولتُ تجربة النعمي بين الإنسان والأديب والأستاذ، وعلاقته بالمكان والإبداع، مستعرضًا جوانب من مسيرته الأدبية والنقدية، وحضوره في المشهد الثقافي، وما شكّلته تجربته الممتدة من رؤية تجاه الأدب والرواية والسرد.
وعقب المقدمة، عبّر النعمي عن شكره لمدير اللقاء على كلماته وما حملته من تقدير، قبل أن ينتقل إلى محور الجلسة، متناولًا طبيعة الرواية وعناصرها السردية، والفرق بين الواقع كما نعيشه والعالم الذي تبنيه الرواية، والعلاقة التي تجمع الكاتب بالواقع والمجتمع من حوله.
وتوقف النعمي عند مهمة الكاتب، مشيرًا إلى أهمية أن تتجاوز الكتابة السائد، وألّا تتحول الرواية إلى مجرد نقل للواقع أو إعادة تسجيل أحداثه؛ فالرواية تعيد بناء الواقع من خلال رؤية الكاتب ولغته وخياله، وتخلق عالمًا فنيًا له منطقه وعناصره وشخصياته، بما يمنح القارئ مساحة أوسع للجمال والتأمل.
كما تناولت الجلسة حضور القضايا الاجتماعية والسياسية داخل العمل الروائي، والحدود التي تفصل بين توظيفها في خدمة البناء السردي وبين تحوّل الرواية إلى خطاب مباشر، مع التأكيد على أهمية المحافظة على القيمة الفنية للعمل، وترك الشخصيات والأحداث واللغة تؤدي دورها داخل عالم الرواية، بعيدًا عن هيمنة الرسالة المباشرة على السرد.
في ليلةٍ امتزجت فيها ظلال الحرف بروح المحبة، واستروحت الأنفس عبقَ سرد حكايات الروايات، التقى جمعٌ من عشاق البلاغة ومحبي السرد في أمسية استثنائية فاتنة، حفّت طوافًا بالسامعين عبر عوالم من الخيال وحول الواقع المنسوج بماء الزهر والورد.
فضاءٌ ينبض من فيه النعمي، الذي قال وأبدع فأمتع، بسردٍ يأسر الألباب، ثم تعاقبت الحكايات كنسيمٍ عليل يحمل معه عبق الماضي الجليل وهيبة الحاضر، وتوالت المقاطع المسرودة بصوتٍ شجيّ يلامس شغاف القلوب، ليغرق الحضور في حالة من التجلّي والتأمل العميق، الذي برز في ملامح الحاضرين.
(سطر وفاصلة)
إلى الدكتور حسن النعمي.. رائد القراءة الواعية، الذي لا يقرأ السطور بعين مجردة، بل ينفذ إلى روح الحكاية، مستنطقًا مخبوءها، ومعيدًا ترتيب الفوضى في عوالم السرد بحكمة الناقد وبصيرة العارف.
البروفيسور حسن النعمي، أستاذ البيان، وأنت في حضرة الدكتور حسن النعمي، تتدفق الكلمات طائعةً، وكأنها تستمد بهاءها من وضوح فكره؛ فهو الذي علّق قناديل النقد على أروقة الأدب، فازداد النص بهاءً.