د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
لم يذكر سيبويه (لو) في أدوات الجزاء أي الشرط، قال «فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: مَن، وما، وأيّهم. وما يجازى به من الظروف: أيُّ حينٍ، ومتى، وأين، وأنّى، وحيثما. ومن غيرهما: إنْ، وإذْما»(1). قال ابن يعيش «سيبويه، رحمه الله، إنّما ذكر(إنْ) و(إذْمَا)، وعدّ (إذما) في حيّز الحروف، ولم يذكر (لَوْ)؛ لأن (لَوْ) معناها الْمُضِيُّ، والشرط إنما يكونا بالمستقبل؛ لأنّ معنى تعليق الشيء على شرط، إنما هو وقوفُ دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود. ولا يكون هذا المعنى فيما مضى، وإنمّا يذكرها مَن يذكرها في حروف الشرط؛ لأنها كانت شرطًا فيما مضى، إذ كان وجودُ الثاني موقوفًا على وجود الأول»(2).
وهي مثل (كيف) لا يعدها الخليل من أدوات الجزاء، قال سيبويه «وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنعْ أصنعْ. فقال: هي مستكرهة وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها على أي حالٍ تكن أكن»(3). ويعني بمخرجها على الجزاء مشابه أدوات الشرط من اقتضاء فعلين مترابطين، وكذلك (لو) الامتناعية.
وحين عرض سيبويه للحرف (لو) بيّن معناها في قوله «وأمّا (لو) فلما كان سيقع لوقوع غيره»(4). وهذا هو الارتباط أو التعلق الذي تستعمل له أدوات أخرى مثل (كلما) و(لَمّا)، ومعنى (لو) عند أكثر النحويين «حرف امتناع لامتناع»، قال ناظر الجيش «وقد ذكر ابن الضائع لقول من قال: إنها للامتناع توجيها حسنًا من جهة أنه خاصّ لا عامّ، فقال: ليس قولهم في الامتناع خطأ بل له وجه صحيح وذلك أن (لو) في أصل وضعها كما زعم سيبويه - يعني أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، قال: فلم يقع؛ لأن سببه لم يقع أيضًا، فلا خلاف بين كلام سيبويه وكلام من قال بالامتناع، وإجماع النحويين أو أكثرهم على أخذ الامتناع فيها دليل أو كالدليل على صحته»(5).
ولا أعلم أن النحويين عدّوا (لو) من أدوات الشرط إلا المتأخرين، قال المرادي «واختُلف في عد (لو) من حروف الشرط. فقال الزمخشري(538هـ)(6)، وابن مالك: لو حرف شرط، وأبى قوم تسميتها حرف شرط؛ لأن حقيقة الشرط إنما تكون في الاستقبال، و(لو) إنما هي للتعليق في المضي، فليست من أدوات الشرط»(7). وكذلك عدّها الجزولي(607هـ)، قال «وأدوات الشرط كلّها إلا (لو)»(8). وتابعه ابن مالك، وتوقف الأبّذيّ في قوله، قال «وإِنْ كانت لما كان سَيَقَعُ لوقوعِ غيرِه صَرَفَتْ معناه إلى المضيِّ كما تقدَّم، وليست إذ ذّاك شرطًا لا في اللفظ؛ لأنها لا تجزم، ولا في المعنى؛ لأَنَّ الشرط إِنَّما يكونُ بالنَّظَرِ إِلى الاستقبال»(9).
وشاع بعد ابن مالك عدّ (لو) الامتناعية شرطيّة، ووجدوا بعض الشواهد من الآي والشعر دخلت (لو) فيها على الفعل المضارع وربما جزمت الفعل، ولعل هذا ما جعل المرادي يفرق بين قسمين من (لو) الامتناعية والشرطية، قال «القسم الثاني: (لو) الشرطية التي بمعنى (إن). فهذه مثل إن الشرطية، يليها المستقبل، وتصرف الماضي إلى الاستقبال. كقوله تعالى (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [17-يوسف]، وكقوله تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ) [9-النساء]، وقول الشاعر:
قَوْمٌ، إذا حارَبوا شَدّوا مآزِرَهُم
دونَ النِّساءِ، وَلَوْ باتَتْ بِأَطْهارِ
وقول الآخر:
لا يُلْفِكَ الرّاجوكَ إلّا مُظْهِرًا
خُلُقَ الكِرامِ، وَلَوْ تَكونُ عَديما
وكون (لو) بمعنى (إن) ذكره كثير من النحويين»(10). وذهب ابن الناظم إلى أنّ (لو) لا يكون بعدها الفعل للمستقبل وأن ما تمسّكوا به من آي وشعر لا حجة فيه لصحة حمله على المضي(11).
والذي نميل إليه أن (لو) الامتناعية ليست حرف شرط.
**__**__**__**__**__**
(1) الكتاب لسيبويه (3/ 56)
(2) شرح المفصل لابن يعيش (5/ 105)
(3) الكتاب لسيبويه (3/ 60)
(4) الكتاب لسيبويه (4/ 224)
(5) تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد (9/ 4441)
(6) المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري، ص: 439.
(7) الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي، ص: 283.
(8) المقدمة الجزوليّة في النحو للجزولي، (ص: 33)
(9) الأبَّذي ومنهجه في النحو مع تحقيق السفر الأول من شرحه على الجزولية، رسالة دكتوراه أعدَّها سعد حمدان محمد الغامدي جامعة أم القرى/ مكة المكرمة، 1405-1406ه، 1/258، وانظر: تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد لناظر الجيش، 1/ 208-209.
(10) الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي، ص: 284-285.
(11) شرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك، ص: 505.