أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
تطرَّقت المساقات الماضية إلى نقدٍ منهجيٍّ لترجمة مادَّة «جازان» في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، للمستشرق الأميركي(جورج س. رنتز George Snavely Rentz، -1987)، من عمل (إبراهيم زكي خورشيد). وقد كشفت تلك المقالات عن سلسلةٍ من الأخطاء اللُّغوية، والجغرافيَّة، والتاريخيَّة، تُظهِر ضعفًا عامًّا في الترجمة، واضطراب الفهم، ما أفضى إلى إساءة في التعامل مع النصِّ الإنجليزي، وما تضمَّنه من إشارات، ولاسيما في مجالات الأنساب، والأسماء، والأحداث. منتهين، من خلال ذلك النموذج، إلى أنَّ كثيرًا من الترجمات العربيَّة الحديثة قد لا تزيد القارئ إلَّا التباسًا وجهلًا بالمصادر الأجنبيَّة.
قال (ذو القُروح)، مواصلًا عرض الإشكالات في تلك الترجمة:
ـ ثمَّ اقرأ، إنْ شئتَ، عن شيءٍ غريبٍ، سمَّاه المترجِم: «السنامكى»!
ـ «السنامكى»؟ ما هذا؟
ـ هذا لُغز! وقد ذكرَ (رنتز) أنَّه كان يُحمَل مع (البُنِّ) من جبالنا في (فَيفاء) وما جاورها إلى (القاهرة) في القرن التاسع عشر؟
ـ أُعلِنُ، إذن، انسحابي من المسابقة لحلِّ هذا اللُّغز!
ـ لقد نقل المترجِم كلامه هكذا: «وكان نبات السنامكى والبن يحملان من الجبال إلى القاهرة.»(1) غير أنَّ ما قاله (رنتز)(2) هو:
Senna and coffee were sent from the mountains to Cairo.
ذلك أنَّ المترجِم أراد أن يكحِّل الكلمة فأعماها، كما يقال! مضيفًا إلى الاسم، كما أورده رنتز، كلمة «مكى»، ملصقًا كلمة (سنا) بكلمة (مكى). ولم ينقط الياء، كالعادة. وهو يَظنُّ أنْ لو التزمَ بما ذكرَه المؤلِّف، لن يكون الاسم معروفًا لدَى القارئ العَرَبي. وهذا غير صحيح. فـ(السَّنا، أو السَّنَة): نباتٌ طِبِّي، من نباتات (فَيْفاء). أوردَ عنه (ابن منظور)(3): أنَّ «السَّنا نبتٌ يُتَداوَى به، قال ابن سِيْدَه: والسَّنا والسَّناءُ نبتٌ يُكتَحَلُ به، يُمَدُّ ويُقصَر، واحدته سَناةٌ وسَناءَةٌ.» وليس (السَّنا المكِّيُّ) غير نوعٍ منه، يُنسَب إلى (مَكَّة). ويُعرَف أيضًا بـ(سَنا مَكَّة). وهناك نوعٌ آخَر ينبت في بلاد (الرُّوم)، يُعرف بـ(السَّنا الرُّومي).
ـ لكن حلوة «السنامكى» هذه! ثمَّ لاحظ أنهم ينقلون «النبات» نفسه، كما زعمَ المترجِم!
ـ لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! تخيَّل القوافل تحمل أشجار البُنِّ من جبال (فَيْفاء) إلى (القاهرة)! وأضف، أخيرًا، إلى ما سبق ما كتبه المترجِم، قائلًا، أو بالأحرى متقوِّلًا: «وكان أقوى الخيراتية الذي خلف حمودًا هو الحفيد الأكبر لابن أخيه الحسين بن على (حكم من سنة 1840 إلى 1848م) وهو الذي استولى على تهامة حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ مدة من الزمن وغير ذلك من الأمكنة في جبال اليمن الأسفل. وهزمه في معركة من المعارك المتوكل محمد بن يحيا الزيدى فنزل الحسين عن العرش.» وعَدِّ عن كتابته «يحيا» بالألف الممدودة، فلا جديد هاهنا!
ـ لكن ماذا عنى بقوله: «حتى بلغ جنوبًا إلى مخابل»؟ أثمَّة مكان اسمه (مخابل)؟!
ـ هو هنا يحاول ترجمة قول (رنتز)(4):
…who held Tihama as far south as Mocha and even occupied for a time Taaizz…
يتَّضِح، إذن، أنَّ المقصود (المَخاء)، إحدى مُدن منطقة (تَعِزّ). وقد أراد المترجِم أن يكتب: «بلغ جنوبًا إلى مخا، بل احتلَّ تَعِزّ» فاختلط لديه الحابل بالنابل! فظهرت الكلمتان في طبعة (القاهرة): «مخا بل»، وفي طبعة (الشَّارقة): «مخابل».
ـ السؤال: لماذا يقرأ العَرَبيُّ مثل هذه الترجمات الشَّوهاء؟ أما كان الأجدى أن يرجع إلى الأصل الإنجليزي، وكفى الله العَرَب الترجمة؟! إذ مهما كانت في النصِّ بغير العَرَبيَّة أغلاط في بعض المعلومات، سيجده أسلمَ لُغويًّا من تراجم هؤلاء المترجمين «العَرَب»: انتماءً لا لُغة!
ـ هذا غيضٌ من فيض، من الرَّكاكة، وغلط المعلومة، وإهمال التدقيق، والتصرُّف في النصِّ المترجَم، والاستخفاف بالأمانة العِلميَّة.
ـ هو نموذجٌ صارخٌ، يتجاوز بنا ما كُنَّا بصدده من شؤون التاريخ والعَرَبيَّة المعاصرة، إلى مآزق لُغويَّة وثقافيَّة وترجميَّة شتَّى. بَيْدَ أنَّه ليس ممَّا كُنَّا بصدده ببعيد، بل هو منه في الصَّميم. لكن ماذا لو عدنا إلى رحلة النصِّ، لا من لغة أجنبيَّة إلى العَرَبيَّة، بل من العَرَبيَّة إلى العَرَبيَّة، عبر كُتب التراث؟
ـ أمَّا تراثنا القديم، فيَصْدُق عليه ما ذهب إليه أستاذُ العَرَبيَّة بجامعة (كامبريدج)، المستشرق الأسكتلندي (ويليم روبرتسون سميث William Robertson Smith، -1894)(5)، من أنَّ الكُتب التراثيَّة، التي وصلت إلينا من عصور ما قبل الطباعة، قد تعرَّضت بالضرورة لتغييرات عديدة. وقد حُفِظت بعض الكُتب في نُسَخٍ ناقصة، صنعَها نُسَّاخٌ جَهَلةٌ من العصور المظلمة، وبعضها أفسده محرِّرون خَلَطُوا موادَّ أجنبيَّة مع النصِّ الأصلي. ولذا أبقَى لنا التاريخ كتاباتٍ كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض. وفي كلِّ الأحول، فإنَّ على الناقد التاريخي، لكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، أن يتخلَّص من المفردات المقحمة على النصوص، وكشْف صُوَر التزوير؛ لعرض البقايا القديمة في صُوَرها الحقيقيَّة.ولن يضير كتابًا قديمًا قَيِّـمًا حقًّا عملُ الناقد الذي يحاول أن يضعه في ضوء الشمس، ويؤسِّس مكانته على قواعد أرسخ.
ـ وأمَّا لو كان المؤرِّخ- العَرَبي خاصَّة- من نمط (كمال الصليبي)، نموذجًا، ومن لَفَّ لَفَّه، أو من نمط (فراس السوَّاح) ومن لَفَّ لَفَّه، فليس في حاجة إلى كلِّ هذا العناء، وإنَّما عليه أن يكتب التاريخ من بنات أفكاره، وكفى الله المؤرِّخ العناء!
ـ صحيح. ذلك أنَّ نماذج طريفة من المؤرِّخين المعاصرين، من أهل الشَّام خاصَّة، واجهوا ضرورة تاريخيَّة ضاغطة لمواجهة التاريخ والحاضِر؛ فأين المفر؟! كلَّا، لا وَزَر! الأوَّل، (الصليبي)، سعَى إلى ترحيل تاريخ الشَّام إلى جزيرة العَرَب، ولكن (تاريخ بني إسرائيل) تحديدًا دون غيره؛ لأسباب واضحة. وآزرَه كثيرون من الشاميِّين، وبعض مجاوريهم، مثل (فاضل الربيعي) من العراق، أو (يوسف زيدان) من مِصْر.
ـ صاحب نظريَّة أن (المسجد الأقصى)، المشار إليه في «القرآن الكريم»، إنَّما هو مسجد في (الجعرَّانة)، بجوار (مكَّة)، لا في (فلسطين)!
ـ هو بعينه! فإذا كان العُربان قد خابوا في تحرير الأقصَى الشريف في (فلسطين)، فأقصى الجعرَّانة، إنْ وُجِد، هو البديل! أمَّا الآخَر (السوَّاح)، فعارضَ تلك الآراء بشِدَّة؛ لأنَّ له وُجهة أخرى معاكسة، تقول بترحيل تاريخ الجزيرة العربيَّة نفسها إلى بلاد الشَّام! فذهب إلى أن (محمَّد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلَّم) شاميٌّ، لا حجازي، ولا علاقة له بـ(مكَّة)! بل ربما كانت مكَّة ، والمسجد الحرام خاصَّة، يقعان في ديار (الأنباط)، في منطقة (البتراء)، بالأردن، كما سبقه غيره من أساتذته في لعبة الشطرنج التاريخي هذه. ولعلَّ هذا هو ما أرهص للسوَّاح بأخرة بنظريَّته الساحقة الماحقة! لينتهي مَن كان فِراسًا منشغلًا بالأساطير، ومفكِّرًا سابقًا، يتظاهر بالعِلميَّة والعقلانيَّة، إلى محض «سوَّاح» اليوم، اسمًا على مسمًّى.
ـ وهذا يعني أنها ما زالت في التاريخ كتابات كثيرة، لا تعدو عمليَّات تزويرٍ محض.
ـ بل إنَّ تلك الكتابات في الحاضر أكثر من تلك في الماضي، موظِّفةً أدواتها لمزيدٍ من التزوير، لمآرب سياسيَّة أو أيديولوجيَّة. وذو المرض السياسيِّ أو الأيديولوجيِّ، لا يمكن أن يكون مؤرِّخًا نزيهًا أبدًا. بل لا يمكن أن يكون صاحب طرحٍ عِلميٍّ يحترم العقول؛ مهما حمل من هالات الألقاب والأدوات؛ ففاقد الشيء لا يعطيه. وما تلك الألقاب والأدوات سِوَى وسائل يتوخَّى منها أن تسعفه لممارسة تزويرٍ أشدَّ إحكامًا، وأكثر قدرةً على تضليل العامَّة، أو تأييد أقرانه من ذوي الأهواء لا العقول. على أنَّ الناقد التاريخي هنا، ولكي يتوصَّل إلى الحقيقة العِلميَّة، ليس في حاجةٍ إلى كبير جهد لكشف صُوَر التزوير، لحُسن الطالع؛ لأنَّ هؤلاء النَّفَر من المعاصرين لا يستندون أصلًا إلى أدلَّةٍ عِلميَّةٍ تصمد لأدنى محاولة للفحص، هذا إنْ وُجِدت، وإنَّما هي مغامرات ساذجة، وتأويلات سطحيَّة بائسة، تارةً تهدف إلى نقل (الشَّام) إلى (اليَمَن)، وتارةً إلى نقل (اليَمَن) إلى (الشَّام)! والدليل لديهم: حروف اسمٍ هنا تشبه حروف اسمٍ هناك، فإذن المكان هو هو. بل إنَّ الصراع بين هؤلاء النَّفَر أنفسهم محتدم، وعلى أَشُدِّه، متناشدين: أيُّ مكان من الجزيرة العَرَبيَّة يُختار لتوطين شعب الله المحتار، أفي اليَمَن؟ أم في الحجاز؟ أم عُمان؟ أم جازان؟ أم عسير؟ أم بلاد غامد وزهران؟ أم في تشكيلة من تلك البلدان؟
ـ ثمَّ أيُّ الوجهتين أولَى وأنجع؟ أترحيل الشَّام إلى الجزيرة العَرَبيَّة؟ أم العكس؟
ـ تشابهت قلوبهم، واختلفت مناهجهم، إلَّا في التهافت. ولذا هم مضطرُّون إلى عَقْد مَجْمَع، أو مؤتمر، لدراسة الخلافات بينهم، قبل كلِّ خصومة مع غيرهم؛ فالغاية واحدة، وإنْ تفرَّقت بهم السُّبل!
**__**__**
* مرفأ:
وما يُجْـدِيْ الغِـنَـاءُ عَلَى المُـغَـنِّـيْ
إذا ابتَلَعَتْ حَنَـاجِـرَهُ الثُّـعَالَـى؟!
ولـكِـنْ نَـحْـنُ قَـوْمٌ مِـنْ ضِـرَامٍ
فـلا تَـقْـنَــطْ إِذَا الـبُرْكَـانُ سَـالا
فبَـعْـدَ سُـيُـوْلَةِ الذَّهَبِ انْـفِـجَارٌ
يُطَـهِّـرُ مَعْـدِنَ الذَّهَـبِ الـمُسَالا
لِـكُـلٍّ يَـوْمُــهُ ، لا رَيْــبَ فِـيْـهِ،
وإِنْ أَمْطَـى مَـواعِـدَهُ الـمِـطَـالا!
**__**__**
(1) تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.
(2) Rentz, George Snavely, (199 1), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies. (Leiden: E. J. Brill), 2: 518.
(3) لسان العَرَب، (سنا).
(4) 2: 518.
(5) See: (1895), The Old Testament in the Jewish Church: A Course of Lectures on Biblical Criticism, (London: Adam and Charles Black), p. 17.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)