عبدالعزيز بن سليمان الحسين
من المؤكد أنه مهما تعددت التقنيات، وتطورت وسائل التواصل، وتسارعت الأجهزة الذكية في نقل الخبر، سيبقى للصحف الورقية مذاقها الخاص، ورائحتها التي لا تشبه شيئًا آخر، وجمالها الذي ارتبط بذكريات أجيال عاشت معها تفاصيل يومها.
وفي الحقيقة، نحن جيل كان ينتظر الصحيفة منذ الصباح الباكر، يترقب وصولها، ثم يتصفح أوراقها بشغف. فلقد كان لكل واحد منا زاويته المفضلة؛ هذا يبدأ بالكاريكاتير، وآخر يبحث عن التحقيقات والتقارير، وثالث لا يتجاوز الصفحة الرياضية قبل أن يطمئن على أخبار فريقه، بينما هناك من تستهويه الأخبار المحلية، أو الصفحة الأخيرة، أو ذلك العنوان المثير الذي يخطف الأنظار.
ولا أبالغ إن قلت إننا كنا ننتظر بعض الكتّاب بأسمائهم؛ أقلامًا ظريفة، وأخرى اجتماعية، وأقلامًا كانت تشع وطنيةً وجمالًا وبساطةً. فلم تكن المقالات مجرد كلمات تُقرأ، بل كانت أصواتًا نألف أصحابها، وننتظر ما سيكتبونه بشوق. قد نتفق معهم أو نختلف، لكن من الثابت أننا لم نكن نتجاوز ما يسطرون.
لقد كانت الصحيفة جزءًا أصيلًا من يومنا؛ تُمسك باليد، وتُقلَّب صفحاتها بهدوء، لنتوقف عند خبر أو صورة أو مقال. ولعل ما يميز تلك التجربة هو ملمس الورق، ورائحة الحبر، ومتعة تقليب الصفحات، وهي متعة حسية لا تمنحها الشاشات، مهما بلغت من سرعة ودقة.
وبطبيعة الحال، هكذا هي الدنيا؛ تتغير الوسائل وتتبدل العادات. ورغم أن الصحف الورقية قد تضعف أمام طوفان الإعلام الرقمي الجارف، فإنها، في اعتقادي، لن تغيب عن الذاكرة أبدًا؛ ذلك أن الورق يبقى ذاكرةً وتوثيقًا، ونصًا ملموسًا تتصفحه بيدك وتحتفظ به لسنوات. أما الخبر الرقمي، فربما يمر سريعًا ويضيع بين آلاف الأخبار، في حين كانت الصحيفة تبقى شامخةً على الطاولة، وفي الأرشيف، بل ومخبأةً بين صفحات الكتب والذكريات.
نعم، رحل الكثير من تفاصيل ذلك الزمن، لكن بقي في داخلنا حنين دافئ إلى صباحات الصحف، وإلى عناوينها، وكاريكاتيراتها، وأعمدتها، وأقلام كتّابها. ولعلنا نتفق على أن الوسائل قد تتغير، لكن بعض الأشياء لا تُقاس بالتقنية؛ لأنها ببساطة جزء لا يتجزأ من الذاكرة والوجدان.