د.عبدالإله آل سودا
وعند هذه النقطة يلتقي مفهوم البُحاثة بمفهوم منهجي بالغ الأهمية في التقليد الأكاديمي الفرنسي، والعربي المتأثر به، هو «الإشكالية» (Problématique). وقد أوقع التشابه اللفظي كثيرًا من الكتابات في اختزال Problématique إلى «مشكلة البحث»، مع أن المفهوم أوسع وأعمق. فالمشكلة البحثية (Research Problem) تحدد عادة خللًا أو فجوة أو سؤالًا يستحق الدراسة؛ أما Problématique فلا تكتفي بالإشارة إلى وجود المشكلة، بل تعيد بناء الموضوع نفسه في صورة نظام من العلاقات والأسئلة والتوترات.
فالإشكالية بهذا المعنى ليست سؤالًا واحدًا يليه جواب، وإنما بنية فكرية تبدأ باكتشاف شيء غير مستقر في الموضوع: تناقض، أو مفارقة، أو فجوة تفسيرية، أو تعارض بين افتراضين، أو قصور في تفسير مألوف. ثم يُعاد بناء ذلك التوتر في شبكة من الأسئلة المترابطة، ويُحدد في ضوئها ما الذي ينبغي فحصه، ومن أي زاوية، ولماذا تكون هذه الزاوية أقدر من غيرها على كشف الظاهرة. ولذلك يمكن وصف Problématique بأنها البوصلة المنطقية للبحث، أو «النظام الإشكالي» الذي يمنح أسئلته الجزئية وحدة واتجاهًا.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا. قد تكون مشكلة البحث: «ما أثر وسائل التواصل الاجتماعي في القراءة لدى الشباب؟». هذه صياغة واضحة ومشروعة تحدد ما يريد الباحث دراسته. ولكن الإشكالية بالمعنى الأعمق قد تقول: إذا كانت الوسائط الرقمية لا تغيّر مقدار الوقت الذي نقضيه في القراءة فحسب، بل تغيّر بنية النص وطريقة الانتقال بين أجزائه وعلاقة القارئ به، فهل يصح أن نقيس «القراءة الرقمية» بالمفهوم نفسه الذي قسنا به قراءة الكتاب المطبوع؟ وهل ما نشهده تراجعٌ في القراءة حقًا، أم تحول في ماهيتها؟ هنا لم نعد نسأل عن مقدار التأثير فقط، بل بدأنا نسائل المفهوم الذي بُني عليه السؤال الأول نفسه.
ومن ثم يمكن ضبط الفرق بعبارة موجزة: مشكلة البحث تقول: هذه هي الفجوة أو المسألة التي سأدرسها؛ أما الإشكالية (Problématique) فتقول: هذه هي العقدة الفكرية التي تجعل المسألة مشكلة أصلًا، وهذه شبكة الأسئلة التي سأعيد من خلالها بناء الموضوع وفهمه. الأولى تحدد موضع المشكلة، والثانية تمنح البحث منطقه الداخلي.
وهنا تتكشف الصلة الدقيقة بين «الإشكالية» و«البُحاثة». فالإشكالية هي الوجه النظري التجريدي للاستقصاء، والبُحاثة هي وجهه المادي المتعيّن. الإشكالية تحدد العقدة التي نريد فهمها؛ الأرض التي ستتحرك فوقها هذه البوصلة.
فإذا كان الموضوع العام «الانزياح النحوي في الشعر الحديث»، فقد تنشأ الإشكالية من السؤال عن العلاقة بين الخروج على المألوف النحوي وإنتاج الدلالة الشعرية: متى يكون الانحراف عن النسق النحوي مجرد تنويع أسلوبي، ومتى يصبح عنصرًا منتجًا للمعنى؟ أما البُحاثة فقد تكون ديوان شاعر بعينه، أو مجموعة دواوين محددة، بعد ضبطها بوصفها المجال الذي ستُختبر فيه هذه الإشكالية. وهنا لن يكون الديوان «كتابًا نقرأه» فحسب، بل يصير مادة مستنطقة بسؤال.
ويتضح الأمر أكثر في مثال الرواية التاريخية. إذ يمكن أن يكون الموضوع هو «تمثيل صلاح الدين في الرواية العربية»، وأن تكون مشكلة البحث: «كيف مثّلت الرواية التاريخية العربية شخصية صلاح الدين؟». ثم تتعمق الدراسة لتبني إشكاليتها وهي كالآتي: إذا كانت الرواية التاريخية مشدودة بطبيعتها بين أمانة الوثيقة وحرية التخييل، فأي نوع من الحقيقة تنتجه حين تعيد بناء شخصية تاريخية؟ وكيف تتفاوض الحقيقة الروائية مع الحقيقة التاريخية؟ وهل يُقاس نجاح تمثيل صلاح الدين بمقدار مطابقته للمصادر أم بقدرته على إنتاج معنى روائي مستقل؟ أما البُحاثة فهي النصوص المنتقاة من المدوَّنة (الروايات المختارة)، وربما المصادر التاريخية ذات الصلة بحسب تصميم الدراسة، بعد تحديدها وضبطها لتكون المجال الذي ستُستقصى فيه هذه الأسئلة.
وعندئذ يمكن ترتيب البنية كلها في سلسلة واضحة: «الموضوع» هو المجال الواسع الذي وقع عليه الاختيار؛ و«مشكلة البحث» هي الفجوة أو المسألة التي لاحظها الباحث داخله؛ و«الإشكالية» (Problématique) هي البناء الفكري الذي يحول تلك الفجوة إلى نظام من الأسئلة والعلاقات؛ و«البُحاثة» هي المادة المحددة التي تستنطقها تلك الأسئلة؛ و«المنهج»(Approach) هو الطريق المنظم الذي تُستنطق به البُحاثة؛ أما «أدوات التحليل» فهي الإجراءات التي ينفذ بها ذلك الطريق عمليًا.
ومن هذا كله يمكن استخلاص مسار اصطلاحي آخر يتعلق بالمادة نفسها، حيث تكون فيه المادةُ مصدرًا أوليًا بالنظر إلى موقعها من المعرفة، وتكون مدوّنةً إذا نُظِرَ إليها بوصفها جسدًا نصيًا مجموعًا ومحد دًا يُعامل كوحدة للتحليل، وتكون بيانات خامًا إذا كانت معطيات أولية قابلة للمعالجة، ثم تصبح بُحاثة بالنظر إلى وظيفتها حين تضبطها إشكالية مخصوصة وتجعلها المجال المباشر لفعل البحث. ولهذا لا تعارض بين أن يقول الباحث عن ديوان ما إنه «المصدر الأولي للدراسة»، ثم يسمي مجموع نصوصه «مدونة الدراسة»، ثم يحدد أن طائفة مخصوصة من تلك النصوص تمثل «الـبُحَاثة» في ضوء الإشكالية التي بناها.
وقد يبدو هذا التفصيل لأول وهلة ضربًا من الترف الاصطلاحي، غير أن أثره يتجاوز اللغة إلى صميم الممارسة العلمية. فالخلط بين المصدر والعينة والبيانات يربك تصميم الدراسات التجريبية، والخلط بين المجموعة والمدوّنة قد يخفي شروط اختيار النصوص وتمثيلها، والخلط بين مشكلة البحث والإشكالية قد ينتج رسالة تَعرف ما الذي تريد وصفه لكنها لا تعرف لماذا صاغت موضوعها بهذه الصورة، أما غياب التمييز بين المادة في ذاتها والمادة بوصفها مجالًا للسؤال فقد يجعل الباحث يجمع مصادر كثيرة من غير أن يعرف أيها يقع فعلًا داخل قلب التحليل.
ولذلك لا ينبغي أن يكون مطلب التسمية توحيد جميع الحقول تحت لفظ واحد. فالثراء الاصطلاحي هنا انعكاس لاختلاف الأشياء والوظائف. المؤرخ يحتاج إلى لغة المصادر والوثائق، واللساني إلى لغة المدونات، والباحث التجريبي إلى لغة العينات والبيانات، والناقد إلى لغة النص والمتن؛ لكن الجميع يحتاجون، على مستوى أعمق، إلى الوعي باللحظة التي تتحول فيها المادة من شيء موجود في العالم إلى شيء مُنشأ منهجيًا بوصفه موضوعًا للبحث.
ومن هذه الزاوية ينبغي فهم اقتراح «البُحاثة». فهو لا يطمح إلى إزاحة المصطلحات المستقرة ولا إلى أن يكون ترجمة قسرية لـcorpus أو research material، وإنما يروم تسمية حالة لم تحظ في لغة البحث -في هذا التصور- بما يكفي من التمييز، وأعني حالة المادة بعد أن انتخبها السؤال، وحددتها الإشكالية، وضبطها المنهج، فأصبحت الموضعَ المباشر لفعل البحث. على أن قيمة المصطلح، إن كانت له قيمة، لا تأتي من غرابته ولا من جدته، بل من قدرته على تسمية فرق منهجي حقيقي.
وهكذا تعود بنا الرحلة إلى المعنى الذي بدأنا منه: «الجسد». إذْ كان corpus في أصله جسدًا، ثم أصبح جسدًا من النصوص، وأصبح البحث ضربًا من التشريح المعرفي؛ غير أن الباحث لا يشرّح كل جسد لمجرد أنه أمامه، بل لأنه يحمل سؤالًا يريد أن يختبره فيه. ومن هنا تتعاقب طبقات العمل العلمي: مادة موجودة، ومصدر يُرجع إليه، ومدوّنة تُبنى، وإشكالية تسأل، وبُحاثة تُستنطق، ثم منهجٌ ينظم فعل الاستنطاق.
وإذا كان لا بد من استعارة أخيرة تجمع هذه العناصر، فيمكن القول بأن الموضوع هو الأرض الواسعة التي اختار الباحث أن يدخلها، ومشكلة البحث هي الموضع الذي لمح فيه اضطرابًا، والإشكالية هي الخريطة الفكرية التي أعادت رسم تلك الأرض في صورة أسئلة، والبُحاثة هي الرقعة التي حددها للحفر، والمنهج هو طريق الحفر وأصوله، والأدوات هي ما يحفر به. وبقدر ما يحسن الباحث التمييز بين هذه المستويات، يخرج بحثه من مجرد جمع المعرفة إلى إنتاجها؛ فالتسمية الدقيقة ليست زينة تسبق المنهج، وإنما هي أول أفعاله.