ثامر الشهراني
دخلت المواجهة مع إيران مرحلة جديدة، تتجاوز حدود الضربات العسكرية إلى استهداف شرايين الاقتصاد، من النفط ومضيق هرمز إلى النظام المالي والدولار. فطهران تواجه ضغطًا اقتصاديًا خانقًا، وتضييقًا متزايدًا على قدرتها على تصدير النفط وتحريك تجارتها والوصول إلى القنوات المالية العالمية.
وهنا تبرز أهمية قراءة العودة الإيرانية إلى التصعيد من زاوية مختلفة؛ فالمسألة تتجاوز الرد على ضربة عسكرية، إلى محاولة إعادة ترتيب كلفة الحصار. فعندما تتعرض مصادر الدخل والقدرة على تصدير النفط لضغوط متصاعدة، تصبح الخيارات أمام الدولة أكثر ضيقًا، ويصبح رفع كلفة الضغط على الخصم جزءًا من إستراتيجية البقاء.
ومضيق هرمز في هذه المعادلة يتجاوز كونه ممرًا بحريًا إستراتيجيًا. فهو يرتبط مباشرة بحركة النفط والتجارة، وبقدرة إيران على الوصول إلى الأسواق الخارجية. وكلما تعرض هذا الشريان للتضييق، انعكس ذلك على الإيرادات والأسواق والعملة، وتحولت الجغرافيا إلى أداة اقتصادية تضاعف آثار العقوبات.
أما الدولار، فقصته مختلفة في الشكل، متصلة في الأثر. فالوصول إلى النظام المالي العالمي يمثل عنصرًا أساسيًا في حركة التجارة وتحويل الأموال وتسوية المعاملات. وعندما تتسع القيود على المؤسسات والشبكات المرتبطة بإيران، ترتفع كلفة تجارتها وتزداد صعوبة تحريك الأموال، فيتحول النظام المالي نفسه إلى ساحة من ساحات الصراع.
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الإيراني بوصفه محاولة لنقل جزء من كلفة الحصار إلى الطرف الآخر. فطهران، في ردها، لم تحصر استهدافها في القواعد والمصالح الأمريكية، بل امتدت الضربات إلى منشآت وأراض في دول خليجية والأردن، بما يعكس اتساع نطاق المواجهة وتحولها من صراع مباشر بين واشنطن وطهران إلى أزمة ذات تداعيات إقليمية واسعة. وهذه الرسالة تعني أن استمرار الضغط على إيران قد يفتح جبهات تتجاوز حدودها وحدود خصمها المباشر، وتطال أمن المنطقة وطاقة دولها وممراتها الحيوية.
لكن هذه الخطوة تحمل مخاطرها أيضًا. فكل توسع في نطاق المواجهة يرفع كلفة الاضطراب على المنطقة، ويزيد احتمالات اتساع القيود على النفط والقطاع المالي والملاحة، بما يجعل الاقتصاد الإقليمي طرفًا متأثرًا بصورة مباشرة.
وعليه، فإن قراءة عودة إيران إلى المواجهة من زاوية الرد العسكري وحده تختزل المشهد. جوهر الصراع يتشكل حول شرايين الاقتصاد: النفط، وهرمز، والدولار. وكل طرف يحاول دفع الآخر إلى مرحلة تصبح فيها كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التراجع. وفي مثل هذه المواجهات، لا تحسم النتيجة قوة الضربة وحدها، بل قدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف عندما تصبح شرايين الاقتصاد جزءًا من ساحة الحرب.