د. عبدالمحسن الرحيمي
لم يعد السؤال عن دور عضو هيئة التدريس الجامعي مرتبطًا فقط بما يحدث داخل قاعة المحاضرة أو المختبر، بل بما يمكن أن يحدث للمعرفة التي ينتجها بعد أن تغادر الجامعة. ففي اقتصاد يتزايد اعتماده على المعرفة والابتكار، يصبح الأستاذ الجامعي أحد أهم الأصول التي تمتلكها الجامعة، ليس فقط بما يقدمه من تعليم وبحث، وإنما بما يملكه من خبرة يمكن أن تستفيد منها الجهات الحكومية والخاصة والشركات ومؤسسات المجتمع.
وقد أصبح الإطار التنظيمي السعودي أكثر اهتمامًا بالشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص، والاستثمار في البحث والابتكار، والاستفادة من البنية التحتية والخبرات البحثية. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل آليات التشغيل داخل الجامعات صُممت بالسرعة والمرونة الكافيتين لتحويل هذا الاعتراف التنظيمي إلى سوق معرفية حقيقية؟
السوق المعرفية لا تعني أن يتحول عضو هيئة التدريس إلى رجل أعمال، ولا أن تتحول الجامعة إلى شركة استشارية، وإنما أن تصبح المعرفة الأكاديمية قابلة للحركة والوصول والاستفادة. فالجهة التي تواجه مشكلة في الصناعة أو الصحة أو التقنية أو الإدارة قد تحتاج إلى خبرة أكاديمية متخصصة، وقد لا تحتاج إلى منتج جاهز أو شركة استشارية تقليدية، وإنما إلى معرفة موجودة أصلًا داخل جامعة، لكنها لا تعرف أين توجد أو كيف تصل إليها.
وقد ساهم التحول الرقمي في تغيير جانب مهم من هذه المعادلة. فأصبح بإمكان الجهات تقديم طلبات للاستفادة من أعضاء هيئة التدريس، والوصول إلى الخدمات والخبرات الجامعية بصورة أكثر سهولة من السابق. لكن سهولة تقديم الطلب ليست هي السوق المعرفية في حد ذاتها؛ فهناك خطوة أخرى أكثر أهمية تتمثل في التسويق للخبرات، واكتشاف الفرص، ومطابقة الاحتياج مع التخصص، ودمج الخبرات المختلفة حول المشكلة الواحدة.
فقد تكون الجهة بحاجة إلى حل معقد لا يستطيع تخصص واحد تقديمه. وقد تتطلب المشكلة في مجال صحي، مثلًا، صيدليًا ومتخصصًا في البيانات وطبيبًا واقتصاديًا ومختصًا في الذكاء الاصطناعي. وقد تكون المعرفة موزعة بين أكثر من قسم أو كلية أو حتى أكثر من جامعة. هنا لا يكفي أن نمتلك قاعدة بيانات بأسماء أعضاء هيئة التدريس؛ المطلوب أن تكون هناك قدرة مؤسسية على اكتشاف الخبرات وربطها ببعضها وبالجهة التي تحتاج إليها.
ومن هنا يمكن التفكير في تطوير دور المكاتب الجامعية المعنية بالاستشارات والشراكات لتصبح منصات لربط المعرفة بالسوق. لا تكتفي باستقبال طلب يصل من جهة خارجية ثم البحث عن عضو هيئة تدريس مناسب، وإنما تتابع احتياجات القطاعات المختلفة، وتتعرف إلى الخبرات الموجودة داخل الجامعة، وتسوق لهذه الخبرات، وتبني فرقًا متعددة التخصصات، وتساعد في تحويل الحاجة إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وهذا الدور يصبح أكثر أهمية لأن عضو هيئة التدريس ليس بالضرورة صاحب مختبر أو تجهيزات خاصة. فقد تكون قيمته الأساسية في خبرته العلمية، أو قدرته التحليلية، أو خبرته المتراكمة في مجال دقيق، أو شبكة علاقاته البحثية. وإذا احتاج المشروع إلى مختبر أو جهاز أو تقنية غير متوافرة لديه، فلا ينبغي أن تتوقف الفكرة عند هذا الحد؛ يمكن أن توجد البنية التحتية في مركز بحثي آخر، أو معهد متخصص، أو جامعة أخرى، بينما يقدم الأستاذ المعرفة والخبرة التي يحتاج إليها المشروع.
وهنا يمكن أن تصبح المعاهد والمراكز البحثية أكثر من وحدات لإدارة المشروعات البحثية. فبعض البنية التحتية التي استثمرت فيها الجامعات مبالغ كبيرة يمكن أن تخدم التعليم والبحث، وفي الوقت نفسه تتيح تطوير النماذج الأولية واختبار التقنيات واستضافة مشروعات ناشئة، وفق ضوابط واضحة تحافظ على وظيفة الجامعة وحقوقها وحقوق الباحثين.
والفكرة لا تعني أن تتحول كل المعامل إلى حاضنات للشركات الناشئة، وإنما أن نسأل: هل يمكن لبعض المعامل والمراكز، بحسب طبيعة تخصصها وتجهيزاتها، أن تصبح منصات للانتقال من الفكرة إلى التجربة؟ فإذا كان المعمل يمتلك الأجهزة والخبرات والطلاب والباحثين، فلماذا لا يمكن أن يكون جزءًا من رحلة الابتكار، إلى جانب وظيفته التعليمية والبحثية؟
والأمر نفسه ينطبق على المكاتب الاستشارية. ربما لا تحتاج الجامعة إلى إنشاء منظومة جديدة بالكامل، بقدر ما تحتاج إلى جعل بعض القنوات القائمة أكثر مرونة في استقبال المبادرات الأكاديمية. فإذا كانت لدى عضو هيئة التدريس فكرة أو خبرة يمكن أن تحل مشكلة لدى جهة ما، فلماذا لا تجد طريقًا سريعًا لتجربتها، مع بقاء الحوكمة والملكية الفكرية وتعارض المصالح والالتزامات النظامية في مكانها؟
فالهدف ليس إزالة الضوابط، وإنما تغيير وظيفة الضوابط من تعطيل التجربة إلى حماية التجربة. يمكن استقبال الفكرة، ودراسة ملاءمتها، وإتاحة تجربة محدودة، ثم تتضح النتيجة. إذا نجحت توسعت، وإذا لم تنجح توقفت، وإذا كشفت عن فرصة أخرى انتقلت إلى مسار جديد. وهذه هي طبيعة الابتكار؛ ليس كل مشروع يجب أن ينجح، لكن كل فكرة جيدة ينبغي أن تحصل على فرصة عادلة للاختبار.
كما أن التعاون لا ينبغي أن يكون محصورًا في العلاقة بين عضو هيئة التدريس والشركة. فهناك فرصة أكبر في التعاون بين الجامعات نفسها. فقد تمتلك جامعة خبرة متخصصة، وتمتلك أخرى مختبرًا متقدمًا، وتمتلك ثالثة قاعدة بيانات أو فريقًا بحثيًا، بينما توجد المشكلة لدى جهة حكومية أو شركة. وإذا أمكن جمع هذه العناصر ضمن مشروع واحد، فإن قيمة المعرفة تتضاعف دون الحاجة إلى تكرار الاستثمارات.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك المعرفة وامتلاك القدرة على تحريك المعرفة. قد تكون الجامعة غنية بالخبراء والمعامل والمراكز والطلاب، لكن القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأصول تظل محدودة إذا بقيت كل وحدة تعمل داخل حدودها ولا توجد آلية كافية لربطها بالاحتياج خارجها.
ولذلك فإن عضو هيئة التدريس في السوق المعرفية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نهاية العملية التعليمية، بل باعتباره حلقة وصل بين المعرفة والتطبيق. قد يبدأ الأمر ببحث علمي، ثم يتحول إلى استشارة، أو نموذج أولي، أو براءة اختراع، أو مشروع بحثي مشترك، أو شركة ناشئة، أو حل تستفيد منه جهة حكومية أو صناعية. وليس مطلوبًا أن يقوم الأستاذ بكل هذه المراحل بنفسه؛ المطلوب أن توجد منظومة تساعده على الانتقال بينها.
لقد أصبح لدينا في المملكة طموح واضح لبناء اقتصاد أكثر اعتمادًا على المعرفة والابتكار، ومع هذا التحول فإن قيمة الجامعة لا تقاس فقط بعدد خريجيها أو أبحاثها المنشورة، وإنما أيضًا بقدرتها على جعل المعرفة التي تنتجها قابلة للوصول والاستثمار والتطبيق.
فإذا كان التحول الرقمي قد جعل الوصول إلى عضو هيئة التدريس أسهل، فإن الخطوة التالية هي أن نجعل الوصول إلى الخبرة الأكاديمية أكثر ذكاءً؛ بحيث لا يبحث السوق عن اسم الأستاذ، وإنما يجد الحل من خلال منظومة الجامعة.
وعندها لا تعود الجامعة مكانًا تنتج فيه المعرفة ثم تنتظر من يطلبها، بل تصبح جزءًا فاعلًا من حركة المعرفة في الاقتصاد والمجتمع؛ ويصبح عضو هيئة التدريس ليس موظفًا أكاديميًا فحسب، وإنما أحد الفاعلين في السوق المعرفية.