عبدالكريم بن دهام الدهام
مع كل عام دراسي جديد، تتجدد الحكاية، وتفتح المدارس أبوابها لاستقبال جيل جديد من الطلاب والطالبات، يحملون في حقائبهم الكتب والدفاتر، وفي قلوبهم أحلاماً واسعة وطموحات لا تحدها بداية فصل ولا نهاية عام. فبداية الدراسة ليست مجرد موعد على التقويم، وإنما هي بداية مرحلة جديدة من البناء والتعلم واكتشاف القدرات وصناعة المستقبل.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المدارس مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتكرر في المقابل، وكما يحدث في بعض الأعوام، مطالبات من بعض أولياء الأمور والمهتمين بالشأن المناخي بضرورة النظر في توقيت بداية الدراسة، أو التفكير في جعلها خلال منتصف شهر سبتمبر بدلاً من الأيام الأخيرة من أغسطس، وذلك بالنظر إلى ما تشهده أجزاء واسعة من المملكة خلال هذه الفترة من أجواء شديدة الحرارة، يصاحبها في بعض المناطق ارتفاع في معدلات الرطوبة، الأمر الذي يجعل الانتقال اليومي من المنزل إلى المدرسة والعودة منها أكثر مشقة، خصوصاً على الأطفال والطلاب في المراحل العمرية الأولى.
وهذه المطالبات في جوهرها، لا تعني التقليل من أهمية التعليم أو الاعتراض على العودة إلى مقاعد الدراسة، بل تنطلق من تساؤل يتعلق بمدى ملاءمة التوقيت للظروف المناخية، ومدى إمكانية تحقيق أفضل بيئة تعليمية للطالب والمعلم على حد سواء.
لا شك أن العودة إلى المدارس تمثل مناسبة مهمة في حياة الأسرة والمجتمع. فالطالب يعود إلى أصدقائه ومعلميه، ويستعيد روتينه اليومي، ويبدأ صفحة جديدة من الجد والاجتهاد، بينما يعيش ولي الأمر مرحلة جديدة من المتابعة والتوجيه والمساندة.
وفي كل بداية دراسية، تتجدد عبارات الأمل والطموح، وتعود معها أحلام التفوق والنجاح. طالب يستعد لتحقيق نتيجة أفضل من العام الماضي، وآخر يضع نصب عينيه التفوق، وثالث يكتشف موهبته ويبدأ طريقاً جديداً نحو المستقبل.
ومن هنا، فإن الحديث عن توقيت بداية العام الدراسي ينبغي ألا يُفهم باعتباره حديثاً عن تأجيل التعليم، وإنما باعتباره نقاشاً حول كيفية توفير الظروف الأكثر ملاءمة لتحقيق أهداف العملية التعليمية.
فالتعليم لا يرتبط بالكتاب والمنهج والمعلم وحدهم، وإنما يرتبط كذلك بالبيئة التي يتلقى فيها الطالب تعليمه، وبقدرته على التركيز والاستيعاب، وبمدى شعوره بالراحة والأمان داخل المدرسة وخارجها.
تأتي بداية العام الدراسي في فترة لا تزال فيها أجواء الصيف حاضرة بقوة في أجزاء من المملكة. وعلى الرغم من اختلاف الظروف المناخية بين منطقة وأخرى، فإن أواخر أغسطس وبدايات سبتمبر قد تشهد استمرار الأجواء الحارة، مع ارتفاع الرطوبة في المناطق الساحلية على وجه الخصوص.
وهنا تبرز أهمية قراءة المشهد المناخي بصورة دقيقة، بعيداً عن التعميم، لأن المملكة مساحة جغرافية واسعة، وتختلف أجواؤها من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. فما يكون مناسباً في منطقة قد لا يكون بالدرجة نفسها في منطقة أخرى، وما يكون معتدلاً في ساعات الصباح قد يتحول إلى أجواء أكثر حرارة في ساعات الظهيرة.
والأرصاد الجوية لا تنظر إلى درجات الحرارة بمعزل عن بقية عناصر الطقس، إذ تلعب الرطوبة والرياح والإشعاع الشمسي وطبيعة الموقع الجغرافي دوراً في الإحساس الفعلي بالحرارة.
كما أن المركز الوطني للأرصاد يوفر إحصاءات مناخية خاصة بشهر سبتمبر، إلى جانب توقعات مناخية تمتد للفترات المقبلة، وهو ما يعكس أهمية الاستناد إلى البيانات المناخية عند دراسة أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بالطقس.
من هنا يأتي السؤال الذي يتداوله بعض أولياء الأمور والمهتمين بالطقس: هل يمكن أن يكون بدء الدراسة في منتصف سبتمبر أكثر ملاءمة من نهايات أغسطس؟!