إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
كان ذلك المساء يفيض بالهدوء داخل رواق العرض. تتوقف فتاة أمام منجز تشكيلي تتداخل في عمقه خامات مختلفة من الخشب والخيش، وتتدرج فوقه ألوان التراب بين البني المحروق والبيج الفاتح. تراجعت إلى الخلف قليلاً، وأمالت رأسها بزاوية خفيفة، مستمتعة بالملمس الظاهر للسطح البصري، تاركةً لمخيلتها كامل الحرية في نسج قصة خاصة بها عن المكان والأثر.
وعلى الجانب الآخر من الجدار، وقف رجل مسنّ يضع نظارته الطبية، يقترب حتى كادت أرنبة أنفه تلامس الجدار، مستغرقاً في قراءة السطور المكثفة المطبوعة على الكتالوج الورقي بين يديه، يبحث بجدية عن تفسير يخبره بالدوافع النفسية التي جعلت الفنان يختار هذه المواد تحديداً.
بين حرية الفتاة في تذوق الأثر البصري بعينها ووجدانها دون قيود، وبين رغبة الرجل في الاعتماد على المفهوم المكتوب لفك الشفرة البنائية للمنجز، تنبثق إحدى أعمق إشكاليات النقد الفني المعاصر: كيف يكتمل النص البصري؟ وهل يستدعي العمل الفني وسيطاً لغوياً يوجه بوصلة الفهم، أم أن دهشة التأويل تتطلب تحرير عقل المشاهد من كل شرح مسبق؟
«الميلاد الثاني» حين يغادر العمل مرسمه
يعتقد الكثيرون أن اللوحة تكتمل لحظة يضع الفنان توقيعه النهائي في الزاوية السفلى من القماش. في الحقيقة هذه اللحظة ليست سوى نهاية المخاض الفردي وبداية الميلاد الحقيقي للعمل في العلن. حين تنقطع الصلة المباشرة بين يد الفنان وسطحه الفني فيخرج المنجز من حمايته الخاصة ليُعقد شراكة جليلة مع المتلقي.
في صمت القاعة يحصل التحول السحري حيث يتحول العمل من مجرد سطح محمل بالألوان والملامس إلى مرآة شفافة تعكس الوجدان الداخلي لكل من يقف أمامه ، الزائر لا يرى العمل بعيني الفنان فحسب إنما يراه عبر تراكم تجاربه الخاصة، مخاوفه، وأفراحه المنسية. هنا يصبح المتلقي شريكاً أصيلاً في صياغة المعنى وربما يقدم للمشروع حيوية جديدة لم يخاطر الفنان نفسه بالتفكير فيها أثناء عزلة المرسم.
«أزمة الشرح» عندما تقتل الكلمات دهشة النظر
يرتفع التوتر النظري مع ظهور النص الشارح أو «البيان الفني» على جدران المعارض ، يحمل هذا النص في طياته الرغبة الصادقة في مد جسور التواصل بين التجربة التشكيلية والجمهور غير أنه في كثير من الأحيان يتحول إلى سلطة موجهة تقيد حريات التأمل.
حين يقف الزائر أمام العمل وفي ذهنه تفسير جاهز يخبره بما ينبغي أن يشعر به تتحول التجربة من استجابة جمالية حرة إلى عملية مطابقة بين ما هو مكتوب وما هو منفذ ، يتضاءل فضول الاكتشاف ويحل محله شعور بالامتحان الوجداني؛ هل رأيت ما قصده المبدع؟ أم أنني فشلت في فهم الرسالة؟ هذا النوع من التأطير يحرم العمل من تنفسه الطبيعي وينزع عنه غموضه الشفيف الذي هو أصل سحره.
عزلة الغموض أم جسور المعرفة؟
تستدعي الأمانة التشكيلية الاعتراف بأن الفن المعاصر بمناحيه المفاهيمية والرمزية أوجد فاصلة بينه وبين المتلقي العادي. لم تعد اللوحة تقرأ عبر المباشرة أو إعادة تقديم الطبيعة كما هي إنما أصبحت تبنى على ترميزات وفلسفات بصرية معقدة قد تنفر العابرين إن تركت بغير دلالة.
هنا تنشأ أزمة الشرح في المعارض التشكيلية. يغدو التفسير حاجة ملحة لفتح أبواب الفهم لجمهور يود تذوق الجمال لكنه يفتقد الخريطة البنائية للمدرسة الفنية. تصبح المسألة صراعاً لطيفاً بين حق المتلقي في معرفة السياق التاريخي والتقني للعمل وبين حقه الأعمق في ترك مخيلته تهيم داخل المساحة دون إرشادات زجرية.
صدمة التلقي وتفاوت الذائقة في الفضاء المفتوح
تتجلى ثراء التجربة التشكيلية حين يخرج العمل من صمت المرسم ليواجه تنوع الأرواح في الصالة العامة. ليس الجمهور كتلة واحدة ذات ذائقة موحدة إنما هو تنوع هائل من الخلفيات الثقافية والنفسية ، يقف المهندس المعماري ليتأمل اتزان الكتل وحسابات الفراغ بينما يتوقف الشاعر عند شجن اللون وغموض الخطوط.
هذا التباين يضع الفنان أمام تجربة اختبار حيّة لعمق منجزه فالعمل الأصيل هو الذي يمتلك قدرة على التحدث بلغات متعددة في الآن ذاته ، يمنح المشاهد البسيط متعة بصرية أولية تأسر حواسه ويقدم للنقاد والخبراء طبقات متتابعة من الدلالات التي تشجعهم على الغوص والتحليل ، هكذا تتحول القاعة إلى مسرح تفاعلي لا ينتهي فيه الحوار بمجرد المغادرة.
«البلاغة في الإشارة» كيف يكتب النص الموازي؟
الخروج من هذه الإشكالية يكمن في كيفية تعامل الفنان أو القائم على المعرض مع الكلمة المكتوبة ، النص الموازي الناجح هو الذي يمارس دوره بذكاء الشاعر لا بصرامة الأكاديمي.
ينبغي للبيان الفني أو بطاقة الشرح أن تصاغ كمفتتح استهلالي يوقظ الحواس لا كتقرير نهائي يحسم التأويل ، الكلمة الذكية تمنح الزائر الضوء الأول للولوج إلى عوالم العمل ثم تتركه حراً يخوض مغامرته البصرية الخاصة ، النص الجيد يشير إلى الباب لكنه لا يفرض على المشاهد ما الذي سيراه حين يفتح ذلك الباب.
«التاريخ البصري للتأويل» من المحاكاة إلى المفهوم
لو تتبعنا تاريخ التلقي الفني عبر العصور لوجدنا أن دور المشاهد تغير دراماتيكياً بتغير فلسفة الفن نفسه، في حقب الكلاسيكية والواقعية كان المعيار الأبرز للتأويل يرتكز على مدى براعة المبدع في محاكاة الطبيعة ونقل الواقع بدقة متناهية فكان التفسير مسألة إدراك مهارة والتعرف على القصة الأسطورية الممثلة.
ومع تحول الفن نحو التأثيرية والتجريد والمفاهيمية في القرن العشرين انزاح الميزان بالكامل ، لم تعد اللوحة ناقلاً لقصة خارجية بل أصبحت حدثاً ذهنياً ووجدانياً يستدعي مشاركة الزائر ، صار الفن يتطلب حركة عكسية من العين نحو الداخل فالمشاهد لا يكتفي بالقراءة إنما يعيد بناء اللوحة في مخيلته ليصبح التأويل فعلاً إبداعياً ثانياً يوازي فعل الرسم ذاته.
«رحلة التأويل» حين يتعدد المعنى وتتسع اللوحة
أجمل الأعمال في تاريخ الفن هي تلك التي لا يستطيع جمهور المعرض الاتفاق على معناه الموحد. التعدد والتنوع في قراءة العمل البصري ليسا إخفاقاً في التواصل إنما هما دليل نضج على عمق المنجز الإبداعي وثنائية القيمة الجمالية.
تكوين واحد قد يبدو لشخص مكبّل بالهموم كصرخة احتجاج صامتة في حين يراها زائر آخر يبحث عن السكينة كأنها لحظة تجلٍ وشروق هادئ ، هذا الثراء الممتد يثبت أن النص البصري مفتوح تتغير إجاباته بتغير الأسئلة التي يطرحها المتلقي ، عين المشاهد هي الريشة الأخيرة التي تضع المسك في الختام ودونها يبقى المنجز مجرد تمارين تقنية معلقة في الفراغ.
شجاعة التخلي لدى الفنان
ينبع كمال المشروع التشكيلي من قدرة صاحبه على ممارسة «التخلي الجميل». الفنان يمر بمرحلة صعبة أثناء إنجاز العمل؛ يعيش مع كل مساحة ولون وتكوين، يخوض معها حوارات سرية في عتمة المرسم، لكن شجاعته الحقيقية تثبت حين ينزع يده عن العمل ويسلمه للجمهور.
إن التمسك برغبة الشرح القسري والتفسير المباشر يشبه من يريد حماية طفله من الهواء الخارجي. المبدع الواثق يدرك أن لوحته حين تخرج للصالة أصبحت ملكاً للضوء ولعيون الغرباء ، ينسحب بابتسامة هادئة نحو الخلف، يراقب الانفعالات على وجوه العابرين، سعيداً بأن عمله أصبح يتحرك في العوالم الخاصة لكل شخص وقف أمامه.
محراب التأمل الشخصي
في نهاية المطاف المعرض التشكيلي ليس قاعة امتحانات تتطلب إجابات نموذجية إنما هو مساحة حرة للمتعة الروحية والتأمل البصري ، الفنان الحقيقي هو من يتقن فن «التخلي» يسلم عمله للضوء والجمهور، ويتوارى بابتسامة واثقة منتظراً أن يكمل الزوار حكايته بأرواحهم.
إن اللوحة لا تحتاج إلى تفسيرات تتزاحم على هامشها لتثبت حضورها بقدر ما تحتاج إلى عين شجاعة تتوقف، وتتأمل، وتسمح لنفسها بأن تتأثر بجمال اللون والضوء، متحررة من أسر الكلمات ومستمتعة بأسئلة الفن الخالدة.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII