ماجد البريكان
هناك شخصيات تمر في حياة الإنسان بحكم العمل، ثم تنتهي العلاقة بانتهاء المناسبة، وهناك شخصيات تترك في الذاكرة أثراً لا تمحوه السنوات. ومن هذه الشخصيات التي أعتز بأنني التقيتها وعرفتها عن قرب، صاحب السمو الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد آل سعود.
حين كان سموه نائباً لأمير المنطقة الشرقية، كنت مسؤولاً عن المكتب الإقليمي لصحيفة الجزيرة، وأتاحت لي طبيعة عملي الصحافي أن ألتقي به وأتحدث معه، فوجدت أمامي مسؤولاً من طراز مختلف؛ دقيقاً في متابعته، واسعاً في اطلاعه، وقريباً من تفاصيل المنطقة، يتابع صغيرها وكبيرها ولا يكتفي بما يصل إليه من تقارير رسمية.
أكثر ما بقي في ذاكرتي من تلك اللقاءات أن سموه كان قارئاً نهماً للصحافة. كان يبدأ يومه مبكراً بالاطلاع على الصحف السعودية اليومية، ولم يكن اهتمامه محصوراً في الصحافة المحلية، بل كان يتابع أيضاً ما تنشره الصحف الأوروبية والأمريكية، ويعرف ما يكتب في الخارج وما يدور في وسائل الإعلام الدولية.
كان ذلك بالنسبة لي، كصحافي، درساً مهماً في معنى أن يكون المسؤول مطلعاً؛ فالقراءة عنده لم تكن ترفاً ولا عادة عابرة، وإنما جزء من أدوات المسؤولية وصناعة القرار وفهم ما يدور حوله.
وفي أحاديثه معي كان كثيراً ما يؤكد أهمية تحري الدقة في نقل المعلومة، ويوجهنا نحن الصحافيين إلى أن الخبر مسؤولية، وأن المعلومة لا ينبغي أن تنشر قبل التأكد منها. وكان يدرك بحكم اطلاعه الواسع أهمية الإعلام وتأثير الكلمة، وأن الصحافي لا يحمل قلماً فقط، بل يحمل مسؤولية أمام القارئ والمجتمع.
وما يميز الأمير جلوي أن هذه الثقافة الواسعة كانت تسير جنباً إلى جنب مع شخصية المسؤول الميداني؛ المتابع لما يحدث في المنطقة الشرقية، القريب من ملفاتها وتفاصيلها، والحريص على أن يعرف بنفسه لا أن يكتفي بما ينقل إليه.
مرت سنوات طويلة على تلك المرحلة، لكن بعض المواقف لا تغادر الذاكرة. وما زلت أتذكر توجيهاته لنا، وحديثه عن الصحافة والإعلام، وحرصه على الدقة والمهنية، واحترامه للكلمة ولمن يعمل فيها.
الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد بالنسبة لي لم يكن مجرد مسؤول التقيته بحكم عملي الصحافي، بل كان مدرسة في الإدارة والاطلاع والمتابعة، وشخصية فذة تعلمت من مجالستها أن المسؤول الناجح هو الذي يقرأ كثيراً، ويسأل كثيراً، ويتابع التفاصيل، ولا يسمح للمعلومة أن تمر أمامه دون تمحيص.