أحمد آدم
القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، المقررة في واشنطن أواخر سبتمبر الحالي (2026)، تحولت بفعل التطورات المتسارعة إلى «الحدث الجيوسياسي الأهم هذا العام». يأتي توقيت القمة في ذروة تعقد المشهد؛ فالحرب مع إيران تقترب من شهرها السادس، ومضيق هرمز لا يزال مغلقًا والشحن البحري معطّلًا، بينما هوت شعبية ترامب في الداخل إلى مستوى متدنٍ بنسبة 33 في المائة فقط، نتيجة تجاوز أسعار الوقود حاجز أربعة دولارات للجالون، وتراجع الاحتياطي الإستراتيجي النفطي الأمريكي لأدنى مستوياته منذ عقود.
أولا: حقيبة بكين: أوراق الضغط الصينية الثقيلة
الجانب الصيني لا يذهب إلى واشنطن كطرف ضعيف يبحث عن استرضاء ترامب، بل يمتلك «حقيبة مليئة بأوراق الضغط الثقيلة» التي يستطيع إشهارها على الطاولة لقلب موازين القوى وإحراج الإدارة الأمريكية.
الرئيس شي جين بينغ يعلم جيدًا نقاط ضعف ترامب الحالية (التضخم، تآكل المخزون النفطي، واقتراب الانتخابات)، وسيرتكز الرد الصيني خلال اللقاء على الأوراق الحاسمة التالية:
1- ورقة «الحظر الشامل» للمعادن الحرجة وسلاسل الإمداد
هذه هي الورقة الصينية الأكثر رعبًا لقطاع التكنولوجيا والدفاع الأمريكي: حيث تستطيع الصين التلويح بقطع إمدادات الجاليوم، الجرمانيوم، الغرافيت، والعناصر الأرضية النادرة. الرسالة الصينية ستكون مباشرة لترامب: إذا نفذت وعيد وزير خزانتك وعاقبت بنوكنا الكبرى، سنوقف شحن هذه المعادن فورًا، مما سيتسبب في شلل فوري لشركات مثل Nvidia وبورصة وول ستريت، فضلًا عن مصانع السلاح الأمريكية.
2- ورقة «عزل الدولار وتسريع التخلي عنه»
تمتلك الصين القدرة على إبلاغ ترامب رسميًا بأن استمرار العقوبات سيدفع بكين لشرعنة وتوسيع نظام الدفع الصيني الموازٍ (CIPS) في تعاملاتها النفطية مع إيران ودول «بريكس» بشكل كامل وعلني باليوان الرقمي، هذه الخطوة تعني تاريخيًا بدء الانهيار الفعلي لهيمنة الدولار كعملة تسوية عالمية، وهو ثمن هيكلي باهظ جدًا لن ترغب واشنطن في تحمله من أجل صراع مؤقت مع طهران.
3- ورقة الديون الإستراتيجية والاستثمارات
السندات الأمريكية: رغم تراجع حيازتها، لا تزال الصين تمتلك مئات المليارات من دولارات السندات الحكومية الأمريكية. التلويح ببيع جزء ضخم منها في الأسواق بشكل مفاجئ كفيل برفع أسعار الفائدة الأمريكية وزيادة أعباء الدين على الخزانة الأمريكية، مما يهدد الاستقرار المالي الداخلي في أمريكا.
سوق الشركات الأمريكية: الصين هي السوق الأكبر لمنتجات الشركات الأمريكية العملاقة مثل Apple وTesla. تستطيع بكين تهديد ترامب بفرض قيود تنظيمية أو مقاطعة شعبية مدعومة من الدولة لهذه الشركات، مما سيجعل الرؤساء التنفيذيين في أمريكا يضغطون على ترامب للتراجع لتجنب انهيار أرباحهم.
4- ورقة «الاستقرار الإقليمي» ومفتاح الحل مع إيران
الصين تدرك أن ترامب غارق في مستنقع الشرق الأوسط ومضيق هرمز المغلق: الصين ستوضح لترامب أنها الطرف الوحيد القادر على إقناع إيران بفتح الممرات المائية وتخفيض حدة التوتر عبر الشراكة الإستراتيجية بينهما. إذا رفض ترامب تقديم تنازلات تجارية، ستحتفظ الصين بـ «الفيتو» الاقتصادي والدبلوماسي لحماية إيران، مما يترك ترامب وحيدًا في مستنقع أسعار النفط المشتعلة دون أي أمل في الحل قبل الانتخابات.
لقاء سبتمبر لن يكون «إملاءً للشروط الأمريكية»، بل سيكون «مواجهة بين قوتين عظميين» تستخدم فيها الصين لغة المصالح الخشنة؛ فهي تعلم أن ترامب بحاجة إلى «انتصار سريع وحفظ لماء الوجه»، وستقايضه بهذا الانتصار مقابل تنازلات أمريكية موازية تحمي الكيانات والسيادة الاقتصادية الصينية.
ثانيا: حقيبة واشنطن: أوراق الضغط الأمريكية الهجومية
في المقابل، لا يقف الدب الأمريكي مكتوف الأيدي؛ فإدارة ترامب تدرك أن التباطؤ الحالي في الاقتصاد الصيني يمنح واشنطن «مطارق ثقيلة» يمكنها الهبوط بها على الطاولة لتهديد الاستقرار الداخلي للحزب الشيوعي الحاكم. وسيرتكز الهجوم المضاد لترامب على الأوراق الحاسمة التالية:
1- ورقة «العزل المالي الكامل» والبنوك الكبرى
وهذه هي الورقة الأكثر تدميرًا للنظام المالي الصيني: سلاح «المنبوذ الاقتصادي»: يمتلك ترامب القدرة على تفعيل عقوبات خزانته لقطع البنوك الصينية الكبرى (مثل بنك الصين) عن نظام التسويات العالمي «سويفت». والرسالة الأمريكية ستكون واضحة وصارمة للرئيس «شي»: استمرار الشراء غير القانوني للنفط الإيراني يعني عزل نظامكم المصرفي عن النظام المالي الدولي، مما سيؤدي إلى شلل فوري للتجارة الخارجية الصينية وهرب الرساميل الأجنبية.
2- ورقة «الحظر التكنولوجي الكامل» والإعدام الرقمي
وتستهدف هذه الورقة خنق طموح بكين في قيادة صناعات المستقبل والذكاء الاصطناعي: يستطيع ترامب تفعيل حظر شامل ومطلق يمنع ليس فقط شركة Nvidia، بل كافة الشركات الغربية وحلفاء واشنطن (مثل هولندا واليابان) من تصدير معدات صناعة أشباه الموصلات المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي إلى الصين.
وهو ما سيجعل الرئيس «شي» يعلم أن الإصرار على دعم طهران سيكلفه «إعدامًا رقميًا» لشركات التكنولوجيا الصينية العملاقة، مما سيعطل مشاريعه القومية للهيمنة التكنولوجية، ويجعل البنية التقنية الصينية متأخرة بجيل كامل عن الغرب.
3- ورقة «تايوان وبحر الصين الجنوبي» والتهديد الجيوسياسي الوجودي
وهي الورقة الأكثر حساسية التي تضرب مباشرة في عمق نظرية الأمن القومي الصيني: يستطيع ترامب التلويح بتكثيف الدعم العسكري «النوعي» لتايوان، وتوسيع طوق مبيعات الأسلحة الهجومية لها، بالتزامن مع تفعيل شبكة التحالفات الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ مثل (AUKUS وQuad) لتشديد الخناق على الممرات البحرية في بحر الصين الجنوبي.
وبهذا سيعبر ترامب بوضوح عن قدرة واشنطن على تحويل محيط الصين إلى منطقة استنفار عسكري دائم؛ مما يهدد طرق تجارة بكين البحرية ويضعف موقفها السيادي، وهو ما سيجبر الرئيس «شي» على التراجع لتفادي مواجهة عسكرية غير محسوبة قد تفجر الداخل الصيني.
4- ورقة «الرسوم الجمركية الشاملة» وحرب الإغراق
وهي السلاح التقليدي المفضل لترامب، والذي يستهدف عصب الاقتصاد الصيني القائم على التصدير: حيث يستطيع ترامب التلويح بفرض رسوم جمركية عقابية وشاملة تصل إلى 60 في المائة أو أكثر على كافة الواردات الصينية، وإلغاء صفة «العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة» مع بكين.
ويدرك ترامب أن الاقتصاد الصيني يعاني حاليًا من تباطؤ في النمو وأزمة عقارية؛ والضغط عبر الرسوم الجمركية الشاملة سيؤدي إلى إغلاق آلاف المصانع الصينية، وارتفاع معدلات البطالة، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي الذي يمثل الأولوية القصوى للحزب الشيوعي الحاكم.
ثالثا: سيناريوهات القمة: صراع الإرادات ورسم المخرجات
* السيناريو الأول: «صفقة جليلة» خلف الكواليس (السيناريو المرجح والمخرج لترامب)
في هذا السيناريو، يطبق ترامب فلسفته المفضلة «فن الصفقة». سيعتمد المخرج هنا على مبدأ «المقايضة الكبرى»: حيث توافق واشنطن على تخفيف أو تجميد «اللوائح التنفيذية» الصارمة لعملية «المنبوذ الاقتصادي» ضد البنوك الصينية الكبرى، والالتزام بالإطار الهيكلي الذي طرحته بكين وهو «الاستقرار الإستراتيجي البناء»، مع غض الطرف جزئيًا عن مصافي النفط الصينية الصغيرة. بالإضافة لتخفيف قيود رقائق الذكاء الاصطناعي (مثل السماح ببيع بعض رقائق Nvidia للصين) وتثبيت سقف الرسوم الجمركية.
المقابل الصيني (حفظ ماء وجه ترامب): تقدم الصين لترامب «الهدايا» التي يحتاجها أمام الناخب الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي:
الإعلان عن صفقة شراء ضخمة ومجددة للطائرات الأمريكية من شركة Boeing والمنتجات الزراعية من المزارعين الأمريكيين.
التزام الصين بضمان استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة الحيوية لتكنولوجيا وصناعات الدفاع الأمريكية.
الأهم: أن تمارس بكين ضغوطًا حقيقية وغير معلنة على طهران خلف الكواليس لإعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة التصعيد العسكري، مما يسمح لترامب بإعلان «النصر والتهدئة» وخفض أسعار الوقود محليًا.
* السيناريو الثاني: «اتفاق هادئ ومحدود»: (الوضع الراهن مع تأجيل الانفجار)
أن تفشل اللجان التحضيرية في صياغة صفقة شاملة نتيجة الشروط الصينية الصارمة التي ترفض تقديم تنازلات ديبلوماسية كبرى لإنقاذ إدارة ترامب من مستنقع حرب الطاقة.
النتيجة: يخرج الرئيسان باتفاق رمزي محدود جدًا يحافظ على مظاهر البروتوكول وحفظ ماء الوجه للطرفين علنًا (التقاط الصور، لغة جسد إيجابية، وعود باستمرار الحوار)، لكن مع بقاء جذور الأزمة مشتعلة؛ حيث تواصل واشنطن ملاحقة «شركات قشرية» صغيرة، وتواصل الصين الشراء عبر قنوات بديلة دون صدام شامل.
* السيناريو الثالث «انهيار القمة والصدام الشامل»: (السيناريو الأقل احتمالًا)
يفترض هذا السيناريو أن تصر إدارة ترامب على معاقبة مصرف صيني كبير (وفقًا لوعيد وزير الخزانة سكوت بيسنت) قبيل القمة، فترد بكين بإلغاء زيارة «شي» أو الحضور بلهجة هجومية وتفعيل قانون مناهضة العقوبات الأجنبية وحظر المعادن النادرة. وهذا السيناريو مستبعد لأن الطرفين يدركان أن عواقبه ستكون انهيارًا فوريًا في بورصة وول ستريت والأسواق العالمية.
بناءً على ما سبق، قمة سبتمبر لن تكون اختبارًا لمن يملك أوراق ضغط أكثر، فواشنطن وبكين تمتلكان بالفعل ترسانتين قادرتين على إيلام بعضهما بعضًا. السؤال الحقيقي هو: من يحتاج إلى الاتفاق أكثر؟
ترامب يدخل القمة وهو بحاجة إلى وقت، ونفط، وانتصار سياسي قبل أن تتحول أزماته الداخلية إلى عبء انتخابي دائم. أما شي فيدخلها وهو بحاجة إلى حماية الاقتصاد الصيني من تصعيد مالي وتكنولوجي قد يبطئ مشروعه الإستراتيجي لسنوات.
ولهذا قد لا يكون المنتصر في واشنطن هو الطرف الذي يفرض شروطه كاملة، بل الطرف الذي ينجح في جعل خصمه يقدم التنازل الأول. وبين هرمز وتايوان، وبين المعادن النادرة والدولار، قد تتحول قمة سبتمبر إلى واحدة من أخطر المفاوضات الكبرى في عام 2026؛ إذ لن يكون السؤال فيها كيف يتعاون الطرفان، بل أيهما سيقدم التنازل الأكبر لمنع تحول الصراع بينهما إلى حرب اقتصادية مفتوحة.
** **
- الخبير المصرفي والاقتصادي