عبدالرحمن العطوي
هناك نعم كثيرة لا نشعر بقيمتها وهي بين أيدينا لأن الإنسان اعتاد وجودها حتى ظن أنها من المسلمات التي لا تتغير ولا تغيب ولكن ما إن يطرق المرض باب الجسد حتى تتغير نظرة الإنسان إلى الحياة كلها، ويكتشف فجأة أن أشياء كثيرة كان يظنها عظيمة لم تكن تساوي شيئاً أمام نعمة واحدة اسمها الصحة.
الصحة ليست مجرد قدرة على الحركة أو الخروج والعمل والنوم دون ألم، الصحة حياة كاملة يمنحها الله للإنسان كل صباح دون أن يطلب ثمناً لها ودون أن يشعره بعظمتها حتى يفقد شيئاً منها وحينها فقط يعرف أن أعظم ما كان يملكه لم يكن مالاً ولا منزلاً ولا سيارة ولا منصباً ولا شهرة وإنما كان جسداً معافى وقلباً ينبض دون خوف ونفساً يدخل ويخرج دون مشقة وقدماً تمشي ويداً تتحرك وعيناً ترى وأذناً تسمع.
ولذلك جاء الحديث النبوي العظيم ليضع الإنسان أمام حقيقة قد يغفل عنها طويلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» وهو حديث صحيح رواه البخاري. وما أشد الغبن حين يمتلك الإنسان الصحة ولا يشعر بها ويملك القدرة ولا يستثمرها ويستيقظ كل صباح قادراً على أن يعيش يومه بصورة طبيعية ثم يستهلك عمره في اللهاث خلف أشياء كثيرة ويؤجل فرحه وطمأنينته وشكره وكأن العمر مضمون وكأن العافية لا تنتهي وكأن الأيام لا تحمل في طياتها مفاجآتها.
ولأن صحة الإنسان في وطننا ليست شأناً هامشياً ولا خدمة عابرة فقد أولت الدولة أعزها الله الإنسان وصحته عناية بالغة وجعلت توفير الرعاية الصحية المتقدمة جزءاً أصيلاً من منظومة بناء الإنسان وتحسين جودة حياته فامتدت الخدمات الصحية إلى مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها ومدنها وقراها ووفرت المستشفيات والمراكز الصحية والتخصصية ووفرت لها الكوادر الطبية والتمريضية والفنية المؤهلة التي تعمل على مدار الساعة لخدمة المرضى ورعايتهم والتخفيف من آلامهم ولم يعد الوصول إلى الطبيب أو المستشفى في هذا الوطن حلماً بعيداً بل أصبح حقاً تصونه دولة جعلت صحة الإنسان وسلامته في مقدمة أولوياتها.
وفي كل مستشفى من مستشفيات المملكة حكايات إنسانية لا تنتهي حكايات أطباء وممرضين وفنيين ومسعفين يعملون بصمت ويقفون إلى جانب المرضى في أصعب لحظاتهم ويقدمون العلم والخبرة والرحمة قبل أن يقدموا العلاج وحين يحتاج الإنسان إلى الرعاية يجد حوله منظومة صحية سخرت لها الدولة الإمكانات والكفاءات والتجهيزات حتى يكون الإنسان في وطنه آمناً على صحته مطمئناً إلى أن هناك من يسهر من أجله حين يعجز هو عن النوم من شدة الألم يكفي أن يزور الإنسان مستشفى ليدرك الحقيقة كاملة.
هناك في الممرات تتغير مقاييس الحياة وهناك على الأسرة البيضاء تسقط كثير من أوهام الدنيا، هناك من كان بالأمس يخطط لمشروعاته ومن كان يجري خلف المال، ومن كان يقلق على ارتفاع رصيد أو انخفاض سهم أو ضياع صفقة فإذا به اليوم لا يريد من الدنيا كلها إلا أن يعود إلى بيته ماشياً على قدميه.
هناك مريض قد تختصر أمنيته في أن يرفع يده دون ألم وآخر لا يريد أكثر من ليلة ينام فيها دون وجع، وثالث ينتظر نتيجة تحليل قد تغير حياته كلها ورابع تتعلق عيناه بالطبيب بحثاً عن كلمة تطمئنه أما الأسرة التي تجلس بجوار المريض فهي تعيش معه المرض لحظة بلحظة وتتألم لألمه وتدفع من أعصابها وراحتها ووقتها ثمناً لا يراه كثيرون.
وفي المستشفيات يدرك الإنسان أن المال الذي كان يظن أنه يملك به كل شيء يعجز أحياناً عن شراء لحظة عافية، وأن كل زخارف الدنيا تصغر في عين من يتألم وأن أعظم أمنية يمكن أن يسألها إنسان في تلك اللحظة ليست قصراً ولا منصباً ولا شهرة وإنما أن يقول له الطبيب لقد عدت معافى.
وهنا تظهر قيمة ما تبذله الدولة أعزها الله من جهود عظيمة في القطاع الصحي، فخلف كل طبيب وممرض وفني ومسعف مستشفيات ومراكز وتجهيزات وخدمات وبرامج ومنظومة متكاملة تعمل من أجل الإنسان وتضع سلامته وعافيته في صميم اهتمامها، وهي عناية لا تتوقف عند المدن الكبرى، بل تمتد إلى مختلف مناطق المملكة لتصل الخدمة الصحية إلى المواطن والمقيم حيثما كان.
إن هذه الرعاية الصحية التي أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المملكة قد لا يشعر الإنسان بعظمتها وهو معافى ولكنه حين يدخل المستشفى مريضاً أو يرافق قريباً له يدرك حجم النعمة التي يعيشها في وطن جعل صحة الإنسان أولوية وسخر لها الإمكانات والكفاءات والخبرات.
عندها فقط يعرف المريض قيمة الصباح الذي كان يمر عليه دون أن يلتفت إليه وقيمة الطعام الذي كان يتناوله دون تفكير وقيمة المشي الذي كان يمارسه بلا ألم وقيمة النوم الذي كان يراه أمراً عادياً وقيمة الجلوس مع أهله وهو بكامل صحته.
ولذلك، فإن من أعظم صور الجحود أن يعيش الإنسان في عافية ثم يظل ساخطاً يبحث عن نقص في حياته وينظر إلى ما في أيدي الآخرين وينسى ما بين يديه من نعم لا يستطيع أن يشتريها لو أنفق كنوز الدنيا.
إننا نلهث كثيراً خلف متاع الدنيا وكأنها باقية لنا وننسى أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة يجمع ما يظنه سعادة ثم يأتي مرض عابر فيجعله يكتشف أن السعادة الحقيقية كانت في نعمة لم يكن يلتفت إليها. كم من إنسان كان يملك الصحة ولم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها، وكم من شخص كان يملك والديه ولم يدرك عظمة وجودهما إلا بعد أن أصبح يبحث عن صوتهما في ذاكرته، وكم من إنسان كان يملك أيامه ثم اكتشف متأخراً أن الأيام كانت هي الثروة الحقيقية التي أنفقها دون حساب.
الدنيا قصيرة مهما طالت، وأيام الإنسان مهما كثرت فإنها تمضي أسرع مما يتخيل، وفي لحظة واحدة قد تتبدل المشاهد وتتغير الأولويات ويكتشف الإنسان أن كثيراً مما أرهق نفسه من أجله لم يكن يستحق كل ذلك القلق.
والعاقل ليس من ينتظر المرض حتى يعرف قيمة الصحة بل من يعرف قيمة العافية وهو معافى فيشكر الله عليها ويحفظها ويستخدمها فيما ينفعه وينفع من حوله، ويزور مريضاً ليواسيه ويقف مع محتاج ويصل رحمه ويمنح أهله من وقته ويصنع في أيام عافيته أثراً جميلاً يبقى بعده.
إن الصحة ليست فقط نعمة للجسد وإنما فرصة للحياة والعمل والعبادة والعطاء وصناعة الذكرى الجميلة، وهي رأس مال لا يشعر الإنسان بحجمه إلا عندما يبدأ في الانخفاض.
وما أجمل أن يتوقف الإنسان أحياناً عن الشكوى وأن ينظر إلى ما عنده لا إلى ما ينقصه وأن يستيقظ صباحاً فيقول من أعماقه الحمد لله أنني أستطيع أن أتنفس دون ألم وأن أتحرك دون عجز، وأن أرى من أحب وأن أسمع أصواتهم وأن أمشي إلى حيث أريد.
فهذه وحدها ثروة عظيمة وقد قال الله تعالى «وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا» ولعل الصحة واحدة من أعظم النعم التي لا نحصيها ولا نشعر بها إلا حين يطرق المرض أبوابنا.
فلننظر إلى الحياة بعين مختلفة ولنخفف من لهاثنا خلف الدنيا ولنمنح أجسادنا حقها وأهلنا وقتهم وأيامنا معناها ولنشكر الله على العافية قبل أن نعرف قيمتها من خلال ألم المرض.
فليس الغني من يملك الكثير وإنما الغني حقاً من استيقظ وهو معافى مطمئن ورأى من يحب حوله وعرف أن الله قد منحه يوماً جديداً يستطيع فيه أن يعيش ويعمل ويعطي ويبتسم.
إنها الصحة تلك النعمة التي لا يشعر الإنسان بثمنها إلا عندما يفقد شيئاً منها وحينها قد تصبح كل الدنيا بما فيها صغيرة جداً أمام أمنية واحدة لا تحتاج إلى مال ولا منصب ولا شهرة أن يعود الإنسان كما كان معافى.