ناصر بن فريوان الشراري
في أقصى شمال المملكة، حيث تمتد الأرض لتعانق السماء في أفق رحب، تقف «بسيطاء» شاهدًا حيًّا على تجربة زراعية سعودية رائدة، نجحت في تحويل الصحراء إلى واحات خضراء نابضة بالإنتاج، فبسيطاء ليست مجرد منطقة زراعية، بل تمثل إحدى أهم سلال الغذاء في المملكة والخليج العربي، بما تحتضنه من مشروعات كبرى تنتج آلاف الأطنان من الخضراوات والفواكه والتمور والزيتون وزيته، فضلًا عن منتجات الألبان والعصائر والأعلاف.
وما شهدته منطقة الجوف، وما تزال تشهده، من نهضة تنموية متسارعة، لم يكن ليتحقق لولا توفيق الله، ثم التوجيهات السديدة والدعم غير المحدود من حكومتنا الرشيدة - أيدها الله - التي أولت الأمن الغذائي وتنمية المناطق اهتمامًا استراتيجيًّا، حتى غدت مساحات واسعة من صحرائنا واحات منتجة يُشار إليها بالبنان.
ومع انطلاق «رؤية السعودية 2030» برعاية كريمة من القيادة الرشيدة، وما تضمنته من مستهدفات طموحة لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي، وتمكين الشباب السعودي، وتنويع القاعدة الاقتصادية، يبرز سؤال تنموي مهم في منطقة الجوف:
كيف يمكن لهذه الرقعة الزراعية العملاقة، التي تسهم في تغذية الملايين، أن تستكمل منظومتها بإنشاء مركز لوجستي وسوق محلية موحدة للجملة في قلب بسيطاء، يتولى أبناء الوطن إدارتها وتشغيلها والاستثمار في أنشطتها؟
نماذج إقليمية وعالمية.. وقصة نجاح وطنية
تبرهن تجربة منطقة القصيم الملهمة، من خلال أسواق التمور في بريدة وعنيزة، على قدرة التجمعات التسويقية المنظمة على توليد فرص وظيفية وريادية للشباب، وتحويل المواسم الزراعية إلى حراك اقتصادي متكامل، كما تقدم التجارب الإقليمية والعالمية ذات الطابع اللوجستي نماذج جديرة بالاستفادة، ومنها سوق رونجيس الدولي (Rungis) في باريس، وسوق العبور، إلى جانب منصات الإرساليات والأسواق المركزية الكبرى في المنطقة الشرقية وجدة.
فهذه التجمعات لا تمثل منافذ للبيع والشراء فحسب، بل تشكل منظومات لوجستية متكاملة تحفز أنشطة النقل والتبريد والفرز والتعبئة والتغليف والشحن والتوزيع، وتفتح آفاقًا واسعة أمام التسويق الرقمي والخدمات المساندة، بما يرفع كفاءة سلاسل الإمداد ويعزز القيمة الاقتصادية للمنتجات الزراعية.
وفي الوقت الذي يُقام فيه «مهرجان الجوف للزيتون» في سكاكا بوصفه واجهة سياحية وتسويقية ناجحة، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إنشاء منظومة تشغيلية دائمة في بسيطاء تعمل على مدار العام، فالإنتاج الزراعي في المنطقة متنوع ومتجدد، ولا يتوقف عند موسم واحد.
مبادرة لوجستية تمكّن شباب الوطن
إن تحويل هذا المقترح إلى واقع عملي من شأنه أن يترجم مستهدفات «رؤية السعودية 2030» من خلال أربعة مسارات متكاملة:
أولًا: إنشاء سوق جملة إقليمية دائمة، تكون منصة منظمة تتيح للشباب والمستثمرين شراء المنتجات مباشرة من الشركات والمزارع بأسعار الإنتاج، ثم إعادة توزيعها إلى مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، بما يختصر حلقات الوساطة ويرفع كفاءة التسويق.
ثانيًا: بناء أسطول للنقل وسلاسل الإمداد، وذلك بتمكين الشباب من تملك شاحنات النقل المبرد وإدارتها، والاستفادة من برامج الدعم والتمويل التي تقدمها الصناديق الحكومية والتنموية، بما يخلق فرص عمل مستدامة ويضمن وصول المنتجات إلى الأسواق بكفاءة وجودة عاليتين.
ثالثًا: إقامة مراكز للفرز والتعبئة والتغليف، عبر إنشاء وحدات مساندة تعمل وفق أعلى المعايير القياسية، وتسهم في تحسين جودة المنتج الجوفي، وإطالة عمره التسويقي، ورفع قيمته المضافة، وتعزيز قدرته التنافسية محليًّا وإقليميًّا.
رابعًا: توفير مظلة تمويلية وتحفيزية، من خلال توفير مسارات تمويل ميسرة عبر بنك التنمية الاجتماعية وصندوق التنمية الزراعية، وغيرهما من الجهات ذات العلاقة؛ لتمكين أبناء الجوف والمناطق المجاورة من تأسيس مشروعاتهم الناشئة في مجالات النقل والتخزين والتغليف والتوزيع والتسويق.
إن أرض «بسيطاء» المعطاءة، التي اخضرت فيها الصحراء وأسهمت في تعزيز الأمن الغذائي للملايين بفضل الله، ثم بدعم القيادة الرشيدة، جديرة اليوم بأن تصبح حاضنة تنموية ولوجستية تحتضن طاقات شباب الوطن، وتحول مقومات الجوف الزراعية إلى قوة اقتصادية متكاملة، ورقم فاعل في منظومة الخدمة اللوجستية الوطنية، بما يصنع فارقًا حقيقيًّا في مسيرة التنمية.