حين يبحث المستثمر عن فرصة في القطاع الرياضي غالبًا يبدأ بالسؤال المعتاد: ماذا يمكن أن أبني؟ ناديًا؟ أكاديمية؟ مركزًا رياضيًا؟ منشأة جديدة؟ لكنني أعتقد أن هناك سؤالًا استثماريًا قد يكون أهم من ذلك: ماذا نملك بالفعل ولا يعمل بكامل قيمته؟ فالفرصة الاستثمارية ليست دائمًا أرضًا جديدة أو مبنى جديدًا أو مشروعًا يبدأ من الصفر.
أحيانًا تكون الفرصة موجودة أمامنا بالفعل لكنها تختبئ في ساعة لا تُشغّل ومساحة لا تُستثمر وجمهور لا تتحول علاقته بالمنشأة إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ومن هنا أقترح أن نضيف إلى قاموس الاستثمار الرياضي مفهومًا أراه جديرًا بالقياس: «الساعة الرياضية غير المستثمرة» وهي ببساطة كل ساعة يمتلك فيها الأصل الرياضي القدرة على إنتاج قيمة لكنه لا يفعل. ملعب بلا مباراة. قاعة بلا برنامج. مساحة داخل منشأة لا تعمل. مواقف ضخمة لا تُستثمر إلا في أوقات محدودة. جمهور يرتبط بالنادي طوال العام بينما العلاقة الاقتصادية معه تنشط في أيام بعينها. علامة تجارية قوية لكن منتجاتها وخدماتها لا تعكس كامل قوة هذا الارتباط. هنا لا أتحدث عن خفض التكاليف. بل عن شيء أهم: رفع إنتاجية الأصل الرياضي.
من «نسبة الإشغال» إلى «إنتاجية الساعة»
في الإدارة التقليدية للمنشآت قد نسأل: كم تبلغ نسبة الإشغال؟ لكن المستثمر يحتاج سؤالًا أعمق: كم قيمة تنتج كل ساعة تشغيل؟
قد تكون منشأتان متشابهتين في الحجم والتكلفة وتعملان عدد الساعات نفسه، لكن إحداهما تنتج قيمة اقتصادية واجتماعية وتجارية أكبر بكثير من الأخرى. لذلك أقترح مؤشرًا يمكن تطويره تحت اسم: «مؤشر إنتاجية الساعة الرياضية» لا يقيس فقط هل المنشأة مفتوحة أم مغلقة بل ماذا صنعت خلال ساعات تشغيلها.
كم حققت من إيرادات؟ كم مستفيدًا جذبت؟ كم خدمة أنتجت؟ كم شراكة تجارية نشأت حولها؟ وكم مرة عاد العميل أو المشجع إليها؟ وهنا تبدأ المنشأة الرياضية في التحول من مبنى يحتاج إلى ميزانية تشغيل إلى أصل يجب أن يبرر كل متر وكل ساعة فيه اقتصاديًا.
ملعب المباراة يمكن أن يصبح مدينة صغيرة بقية الأسبوع
لماذا تنتهي علاقتنا ببعض المنشآت الرياضية بانتهاء الحدث؟ يمكن للمنشأة الحديثة أن تعمل قبل المباراة وبعدها، وفي الأيام التي لا توجد فيها مباراة أصلًا. مراكز لياقة وصحة. أكاديميات. تأهيل رياضي. مطاعم ومقاهٍ. متاجر وتجارب للعلامة التجارية. جولات ومتاحف رياضية. مؤتمرات وفعاليات. برامج للأطفال والعائلات. مساحات للشركات. برامج رياضية مجتمعية. وتجارب ترفيهية ورقمية. عندها لا يصبح الملعب مجرد المكان الذي تُلعب فيه المباراة. بل وجهة.
وهناك فرق اقتصادي هائل بين أن يأتي المستهلك إلى المنشأة عشرين مرة في السنة وأن تمنحه أسبابًا للعودة إليها طوال العام. المستثمر الذكي لا يشتري الأصل فقط.. بل يشتري الوقت وهنا أعتقد أن طريقة تقييم الفرص الرياضية تحتاج إلى زاوية مختلفة.
قبل ضخ استثمار جديد أقترح إعداد ما يمكن تسميته: «خريطة الساعات غير المستثمرة» نأخذ كل أصل في المنشأة الرياضية ونسأل: متى يعمل؟ متى يتوقف؟ من يستخدمه؟ من يستطيع استخدامه ولا نفكر فيه اليوم؟ ما الخدمة التي يمكن إضافتها دون بناء أصل جديد؟ وما النشاط الذي يمكن أن يعمل في الوقت الذي يتوقف فيه النشاط الأساسي؟ ثم نحسب القيمة الممكنة لهذه الساعات.
قد يكتشف المستثمر عندها أن أكبر فرصة أمامه ليست في إضافة أمتار جديدة وإنما في إضافة قيمة إلى الأمتار الموجودة. وهذه نقطة أعتقد أنها ستكون حاسمة في اقتصاد الرياضة مستقبلًا. لكن هناك خطأ يجب ألا نقع فيه
تحويل المنشآت الرياضية إلى أصول أكثر إنتاجية لا يعني حشوها بأي نشاط تجاري ممكن.
لأن هناك فرقًا بين تعظيم الإيراد وتعظيم قيمة الأصل. قد يحقق نشاط ما دخلًا سريعًا لكنه يضعف هوية النادي أو تجربة الجمهور أو جودة المنشأة على المدى الطويل. لذلك يجب أن تمر أي فرصة استثمارية بثلاثة أسئلة: هل تحقق عائدًا؟ هل تخدم هوية الأصل الرياضي؟ وهل تجعل المستفيد أكثر ارتباطًا به؟
إذا حققنا الأول وأهملنا الاثنين الآخرين فقد نكون استثمرنا المساحة وخسرنا العلامة. وهنا تظهر فرصة لا تخص الأندية وحدها، الفكرة تمتد إلى الملاعب والأكاديميات والمراكز الرياضية ومرافق الجامعات والمنشآت الخاصة وربما أي أصل رياضي يمتلك وقتًا أو مساحة تفوق حجم استخدامه الحالي.
وهذا يفتح الباب أمام نوع مختلف من المستثمرين. فالمستثمر القادم إلى الرياضة ليس بالضرورة شخصًا قادمًا من الرياضة. قد يأتي من العقار ويعرف كيف يصنع قيمة من المكان. أو من التقنية ويعرف كيف يصنع قيمة من البيانات والتجربة. أو من الضيافة. أو الصحة. أو التعليم. أو الترفيه. أو التجزئة. وهنا تكمن إحدى أجمل خصائص الاقتصاد الرياضي: أن نموه لا يحتاج إلى رأس مال رياضي فقط بل إلى خبرات قطاعات أخرى تدخل الرياضة وتعيد اكتشاف أصولها.
من يملك الفرصة الأكبر؟ في رأيي لن تكون الأفضلية في المرحلة المقبلة دائمًا لمن يملك أكبر منشأة. ولا لمن ينفق أكثر. بل ربما لمن يستطيع استخراج أعلى قيمة من الأصل نفسه. وهذا يقودني إلى اقتراح أخير. ماذا لو أصبح لكل منشأة رياضية كبرى «جواز استثماري للأصل»؟ وثيقة تشغيلية واستثمارية توضح: ساعات الاستخدام الفعلية. الساعات غير المستثمرة. المساحات منخفضة الاستخدام. الشرائح التي تصل إليها المنشأة. الخدمات الحالية. الفرص الممكنة. والعوائد التي يمكن اختبارها دون استثمارات رأسمالية ضخمة. عندها يستطيع المستثمر أن يرى ما لا يظهر في صورة المبنى، يرى الوقت ويرى الفرصة ويرى الاقتصاد الذي يمكن أن يولد من أصل موجود أصلًا.
قبل أن نبني المزيد
المملكة تعيش تحولًا رياضيًا كبيرًا، ومع هذا التحول ستنشأ منشآت واستثمارات وفرص جديدة، لكن نضج الاستثمار لا يُقاس فقط بعدد ما نبنيه، بل أيضًا بقدرتنا على تشغيل ما بنيناه بأعلى قيمة ممكنة. ولهذا عندما يدخل مستثمر غدًا إلى نادٍ أو منشأة رياضية أتمنى ألا يكون سؤاله الأول: أين يمكن أن نبني؟ بل: أين توجد الساعة التي ندفع تكلفتها اليوم ولا نصنع منها قيمة؟ فقد تكون هناك استثمارات بملايين الريالات لا تحتاج في البداية إلى مبنى جديد، بل تحتاج إلى شخص يرى الأصل الموجود بطريقة جديدة. وفي اقتصاد الرياضة القادم قد تكون أغلى مساحة ليست المتر الذي لم نبنه بعد.. بل الساعة التي نملكها ونتركها تمر بلا استثمار.
** **
- د. نورة عبدالله العمراني