سلمان بن محمد العُمري
خلق الله الإنسان حراً فيما يشتهيه من المأكل والمشرب والملبس، طالما أنه اكتسب ماله من حلال وأنفقه في حلال، وتبقى القاعدة الربانية العظيمة حاكمة لسلوكنا وميزاناً لأفعالنا: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ)، غير أن الواقع المعاصر يعج بالتناقضات، حيث تبرز فئة من الناس ممن قد تكون أوضاعهم المادية بسيطة، لكنهم يتأثرون بما يحيط بهم، ويسعون لمجاراة الآخرين ومحاكاتهم في مظاهر الحياة، حتى وإن كانت تلك التصرفات مرهقة مادياً ومخالفة لأبسط قواعد التخطيط السليم.
لعل أبرز مثال على هذا التحول السلوكي هو «شرب القهوة»، الذي تحول في بعض المجتمعات من مجرد مشروب للاستمتاع والروقان إلى عادة للمباهاة والتفاخر، وتوثيق ذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي ولا سيما «سناب شات»، سواء في الصباح الباكر عند التوجه للعمل أو في الاجتماعات الخاصة، ومن يدأب على شراء القهوة اليومية من المقاهي التجارية صباحاً ومساءً، سيجد أن هذا السلوك وحده يستنزف ميزانية شهرية باهظة تتراوح بين 1000 إلى 1500 ريال للفرد الواحد، في المقابل وبقليل من الوعي، بإمكان الشاب أو الشابة - وقبلهما العائلة برمتها - تأمين أجهزة إعداد القهوة الفاخرة في المنزل، وتخفيض هذه المصروفات بنسب هائلة بحيث لا تتجاوز 10 % مما يصرفه الشخص الواحد على المقاهي.
في هذا السياق، تحضرني قصة شابين التحقا بعمل واحد وبمرتبة مالية واحدة؛ أحدهما كان جاداً، مرتباً، ومحافظاً على وقته وماله، واستطاع هذا الشاب المتمسك بالعقلانية أن يدير دخله بذكاء، فاشترى سيارة جديدة بالأقساط، ثم سجلها في نظام نقل وتطبيقات سيارات الأجرة، فأصبح يوفر قيمة قسط السيارة ويزيد عليها دخلاً إضافياً، لم يكن من هواة «البهرجة»، ولم يكترث بذلك التفاخر المصاحب لقهوة زملائه الذين طالما رددوا بأنها «تعدل المزاج»، بل اكتفى بإحضار غلاية ماء بسيطة في مقر عمله، وأصبح يصلح الشاي والقهوة لنفسه، ولزملائه الضيوف الذين يغشون مكتبه بكل ترحيب.
وعلى الرغم من عقلانية تصرفه ونبل أخلاقه، إلا أنه قوبل بسخرية واستهزاء من بعض زملائه، وكان في مقدمتهم زميله الذي تعين معه في نفس اليوم، والذي أضاع ماله هدراً بين رشفات القهوة الفارهة والدخان.
مرت الأيام، وبفضل الله ثم بحسن التدبير والإدارة المالية، تزوج الشاب النجيب، وبعد مدة وجيزة استطاع شراء شقة العمر بالأقساط، مستقراً في حياته الأسرية والمالية، بينما ظل أولئك الزملاء يراوحون مكانهم، وقاربوا سن الأربعين دون أن يتزوجوا أو يملكوا بيتاً يأويهم، ضحيةً لثقافة المظهرية الفارغة والإسراف غير المبرر.
إن «كوب القهوة» الذي نبدأ به يومنا يجب ألا يكون سبباً في تعثر حياتنا أو هدم مستقبلنا، وهذا مثال واحد وإلا فما أكثر الكماليات التي لا نحتاج إليها على مستوى الأفراد أو الأسرة، فبين متعة عابرة تزول بانتهاء الرشفة الأخيرة، وبين استقرار طويل الأجل وبناء حقيقي للذات، تتجلى حكمة الادخار وتقدير النعم، لنعيش أحراراً حقاً، لاعبيداً للعادة والمظاهر.