ثامر بن سعران السبيعي
يقرأ الواحدُ منّا خبراً فيه بيانٌ دوليّ، فيمرّ عليه مرورَ العابر: كلامٌ كثير، ولا شيء تحته. وهذا ظنُّ من لم يُخبَر بأنّ في البيان كلمةً واحدةً تحمل الحكمَ كلَّه -الفعل الذي يبدأ به السطر- وأنّ ما حولها زخرفٌ يُتَّفق عليه في دقائق، وأنّها هي التي تُستهلك فيها الساعات.
فالبياناتُ ليست متشابهة. هي مرتَّبة، وللترتيب سلّمٌ يعرفه من في الغرفة ولا يعرفه من يقرأ.
والسلّم الأول للوصف: أدناه «تُحيط علماً» - وهي أقرب إلى الصمت المهذّب: عَلِمنا، ولم نقل شيئاً. ثم «تعرب عن قلقها»، ثم «بالغ القلق»، وهي درجةٌ لا تُلزم أحداً بشيء. ثم «تأسف»، ثم «تشجب»، ثم «تُدين»، ثم «تُدين بأشدّ العبارات».
والسلّم الثاني للطلب: «تدعو» ثم «تحثّ» ثم «تهيب بـ» ثم «تطالب» - ودليل الأمم المتحدة نفسه يصف الأخيرة بأنّها أعلى ما في السلّم وأنّها قليلة الاستعمال. وفوقها كلمةٌ واحدة تغيّر طبيعة النصّ لا شدّته: «تقرّر». فبها وحدها ينتقل الكلام من رأيٍ إلى التزام، حين تصدر عن مجلس الأمن.
فمن أراد أن يعرف ماذا جرى فليقرأ الفعل، لا العنوان.
وواقعةٌ تُري السلّم عياناً
في الثاني من مارس 2022 اعتمدت الجمعية العامة قرارها في الشأن الأوكراني بمئةٍ وواحدٍ وأربعين صوتاً. وفعلُ القرار في نصّه الإنجليزي Deplores - أي «تشجب»، وهي درجةٌ دون «تُدين». وقد اختار الصائغون هذه الدرجة وهم يملكون ما فوقها، لأنّ الدرجة الأعلى كانت تُخرج أصواتاً من خانة التأييد.
ثم نُقل القرار إلى القارئ العربي في كثيرٍ من المنابر بلفظ «يدين بأشدّ العبارات».
فارتفعت الدرجةُ في الترجمة درجةً كاملة - ووصل إلى القارئ نصٌّ أشدّ ممّا اتُّفق عليه. لم يكن ذلك تحريفاً مقصوداً في الغالب، بل لأنّ الفرق بين «يشجب» و«يدين» يبدو لغوياً لمن لم يعرف أنّه درجةٌ في سلّم.
ولماذا يعنينا هذا؟
لأنّ من قرأ «يدين» حيث كُتب «يشجب» بنى على البيان ما لا يحتمله، فانتظر أثراً لن يقع، ثم قال: المنظمات لا تفعل شيئاً. والحقيقة أنّها فعلت بالضبط ما قالت - والقارئ هو الذي سمع غير ما قيل.
وهذه مهارةٌ تُكتسب في دقيقتين وتبقى: إذا مرّ بك بيانٌ فلا تسأل عمّن أصدره ولا عمّا تناوله. اسأل عن فعلين اثنين: بأيّ فعلٍ وصف؟ وبأيّ فعلٍ طلب؟ فإن كان «قلقاً» و«يدعو»، فقد قيل لك إنّ الباب لا يزال مفتوحاً. وإن كان «يدين» و«يطالب»، فقد ضاق. وإن جاء «يقرّر» من مجلس الأمن، فقد انتهى وقت الكلام.
وأمرٌ أخير يلزم إعلانه: العربية ليست من لغات ميثاق الأمم المتحدة ذوات الحجّية — صارت لغةً رسمية للمنظمة سنة 1973. فما نقرؤه بالعربية ترجمةٌ عن نصّ، والدرجة قد تنزلق درجةً في العبور. ومن أراد اليقين قابلَ اللفظَ بأصله.
والخلاصة: ليست البيانات كلاماً في كلام. هي أرقامٌ مكتوبةٌ بحروف. ومن عرف السلّم قرأ الرقم.
** **
- دبلوماسي سعودي سابق، وباحث في الدبلوماسية المعرفية.