علي حسن حسون
يعيش بيننا أناس غريبو الأطوار، يتقمصون دور المحققين والمباحث، لكن ليس في مطاردة المجرمين أو إحباط عمليات التهريب، بل في ملاحقة شؤون الناس كالمنجمين الباحثين عن الذهب فهؤلاء المتطفلون يهرعون وراء كل معلومة صغيرة أو كبيرة، ويستمتعون بها وكأنها كنز لا يقدّر بثمن، حتى لو كانت تافهة ولا قيمة لها إلا في أعينهم و تراهم يراقبون التفاصيل التي يمرّ عليها الآخرون مرور الكرام، ويسجلونها في ذاكرة مهووسة بالفضول، وكأن حياتك كلها كتاب مفتوح يجب عليهم قراءته صفحة صفحة.
وليس هذا كل شيء، بل يسعون دائمًا لاستثمار ما جمعوه، ليُظهروا للآخرين مقدار علمهم بخفايا الحياة، وكأن لديهم شهادة تفوق على كل شخص آخر في معرفة ممتلكات الناس وأسرارهم الخاصة فهؤلاء الفضوليون يعتقدون أن معرفة ما يملك جارك أو صديقك أو قريبك تعطيهم سلطة على العالم، ولا يكترثون بما قد يسببه تدخّلهم هذا من غضب أو إزعاج، ولا يدركون أنهم قد يكونون يومًا ضحايا لتطفّل الآخرين كما فعلوا هم و أحيانًا يظنون أن جمع المعلومات هو قوة، ولكن الحقيقة أن القوة الحقيقية تكمن في التمييز بين ما يجب معرفته من غيره.
وجود هؤلاء المتطفلين بيننا يشبه شعاع الشمس المتسلل عبر نافذة الغرفة وأنت بين الحلم واليقظة، يترك شعورًا مزعجًا لا يُطاق. تراهم يفسدون راحتك النفسية، ويقللون من خصوصيتك، ويزرعون الشك في نفوس الناس حولهم، من كثرة الانتقاد وإصدار الأحكام الغريبة ، بل ويتفننون في ملاحظة كل هفوة أو تقصير، وكأن حياتك كلها معرضة للفحص والمراجعة.
أما رسالتي إليهم، أيها المتطفلون الأنيقون: أنتم بلا شك أشخاص رائعون، موهوبون، وأدوات البحث لديكم تضاهي أدوات المخابرات، وربما تتفوق على علماء الفضاء ! فبدل أن تضيعوا حياتكم في التطفل على الآخرين، لماذا لا توظفون قدراتكم هذه فيما يفيدكم حقًا؟ اقتحموا خصوصية الكتب، فتشوا في ثقافة العلم والمعرفة، فالعلماء السابقون تركوا إرثًا هائلًا لكم، وكل ذلك بلا تعب ولا عناء، وبالمجان.
فلنكن متطفلين فقط في طلب العلم والثقافة، وليس في حياة الناس وأسرارهم فهناك فرق كبير بين الفضول الخلاق الذي يرفع الإنسان، والفضول المدمر الذي يهشم الخصوصيات ويزرع الإزعاج والشكوك بين الناس.
دعوا الحياة تسير بسلام، واتركوا الفضول للكتب والمكتبات، لا لمن حولكم! وإذا أردتم أن تتركوا أثرًا إيجابيًا في هذا العالم، فلتكن جميع تحرياتكم وبحوثكم في ساحات العلم والمعرفة، حيث الكنز الحقيقي للفضوليين الحقيقيين.