أنس تشكالا
كم مرة بدأنا حديثًا ونحن لا نعرف تمامًا ما الذي نريد قوله؟ نبدأ جملة، ثم نتوقف قليلًا، ونبحث عن كلمة مناسبة، وبعدها نكتشف أن الفكرة التي كانت غامضة في أذهاننا بدأت تتضح شيئًا فشيئًا. كأننا لم نكن نملك الفكرة كاملة قبل الكلام، وإنما اكتشفنا بعض ملامحها ونحن نحاول التعبير عنها. نحن نتصور عادة أن التفكير يأتي أولًا، ثم تأتي اللغة لتؤدي وظيفة الناقل؛ فكرة مكتملة في الذهن، ثم كلمات نضعها حولها ونرسلها إلى الآخرين. لكن حياتنا اليومية تكشف أن العلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك. أحيانًا لا نعرف ماذا نعتقد في مسألة ما إلا بعد أن نتحدث عنها، ولا نكتشف ما نشعر به إلا حين نحاول أن نسميه، ولا نفهم موقفنا من تجربة معينة إلا عندما نرويها لأنفسنا أو لغيرنا.
ولذلك قد تكون اللغة أكثر من وسيلة للتعبير عن الأفكار؛ قد تكون إحدى الوسائل التي تساعدنا على تكوينها وترتيبها واكتشافها. تأمل مثلًا ذلك الشخص الذي يُقال له: «ماذا تريد؟» فيجيب بسرعة: «لا أعرف، لكنني لا أريد هذا». يبدو جوابه متناقضًا، لكنه في الحقيقة يكشف مرحلة طبيعية من التفكير؛ فقد لا يكون قادرًا على تحديد ما يريده، لكنه استطاع أن يحدد ما لا يريده. والكلمات هنا لم تنقل فكرة جاهزة، بل ساعدته على الاقتراب منها.
والأمر نفسه يحدث عندما نحاول كتابة رسالة أو مقال، قد نجلس أمام صفحة بيضاء ونحن نظن أننا نعرف ما نريد قوله، ثم نكتب السطر الأول، فنجد أن السطر الثاني يأخذنا إلى مكان لم نكن نتوقعه. نعيد قراءة ما كتبناه، فنحذف كلمة ونضيف أخرى، ثم نكتشف أن الفكرة نفسها كانت تحتاج إلى إعادة ترتيب. نحن لا نضع الكلمات حول أفكار مكتملة دائمًا؛ بل إن الكلمات تساعد أحيانًا على إكمال الفكرة نفسها.
ولعل هذا أحد أسرار الكتابة. فالكاتب لا يملك دائمًا كل ما سيكتبه قبل أن يبدأ. هناك أفكار لا تظهر إلا أثناء الكتابة، وأسئلة لا نكتشف أننا نطرحها إلا بعد أن نضعها على الورق. ولهذا قد يبدأ المرء نصًا بفكرة، وينهيه بفكرة أعمق منها، لأن اللغة قادته في الطريق. حتى في الحديث العادي، يحدث الأمر ذاته. قد يدخل الإنسان في نقاش وهو يظن أن موقفه واضح تمامًا، ثم يسمع نفسه يقول شيئًا لم يكن قد صاغه من قبل. وربما يعترض عليه الطرف الآخر، فيضطر إلى إعادة صياغته، ثم يكتشف أن اعتراضه الحقيقي ليس على الفكرة كلها، بل على جزء صغير منها. هكذا يتحول الحوار من مجرد تبادل للكلام إلى وسيلة لاكتشاف المواقف.
ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يفكر إلا بالكلمات، فالتفكير الإنساني أوسع من اللغة، وله مستويات حسية وبصرية وانفعالية وتجريدية متعددة. لكن اللغة تمنح الفكر شيئًا بالغ الأهمية: القدرة على التنظيم. إنها تحول ما هو مبهم إلى شيء يمكن الإمساك به، وما هو متفرّق إلى علاقة، وما هو شعور غامض إلى اسم نستطيع أن نتحدث عنه.
كم من شعور ظل في داخلنا فترة طويلة دون أن نفهمه، ثم سمعنا كلمة واحدة فقلنا: «نعم، هذا بالضبط ما أشعر به». لم تُنشئ الكلمة الشعور من العدم، لكنها منحته اسمًا. وحين أصبح له اسم، أصبح من الأسهل علينا أن نفكر فيه ونتحدث عنه ونتعامل معه. وهنا تظهر أهمية اختيار الكلمات. فالكلمات ليست متساوية تمامًا حتى عندما تبدو متقاربة. حين أقول «قلق» بدل «خوف»، أو «حنين» بدل «اشتياق»، أو «تردد» بدل «عجز»، فإنني لا أغير الحروف فقط؛ بل أحدد شيئًا من طبيعة التجربة التي أصفها. وربما كان الإنسان عاجزًا عن فهم نفسه لأن قاموسه الشخصي لا يزال فقيرًا في بعض المناطق التي تعيش فيها مشاعره.
لهذا يمكن أن يكون اتساع اللغة اتساعًا في القدرة على فهم الذات والعالم. وكلما امتلك الإنسان قدرة أكبر على التمييز بين المعاني المتقاربة، أصبح أكثر قدرة على وصف تجربته بدقة. فالذي لا يملك إلا كلمة واحدة لعدد من الحالات المختلفة قد يضعها جميعًا في سلة واحدة، بينما يستطيع صاحب الحس اللغوي الدقيق أن يرى الفروق التي لا تظهر للوهلة الأولى. لكن المشكلة تبدأ عندما نسمح للكلمات الجاهزة بأن تفكر بدلًا منا.
فكثيرًا ما نستعير عبارات شائعة ونكررها حتى تبدو كأنها أفكارنا. نقول: «الناس كلهم هكذا»، أو «لا أحد يفهم»، أو «هذا مستحيل»، أو «النجاح يعني كذا»، دون أن نتوقف لنسأل: هل هذه فعلًا فكرتي، أم أنها مجرد عبارة جاهزة وجدت مكانًا في ذهني لأنها شائعة؟ هنا لا تعود اللغة تساعدنا على التفكير، بل قد تتحول إلى قوالب تحد من التفكير. فالكلمة الجاهزة تختصر علينا عناء السؤال، لكنها قد تختصر معه شيئًا من قدرتنا على النظر.
ولذلك ليست المشكلة في أن تسبق الكلمة الفكرة أحيانًا؛ فذلك جزء طبيعي من عملية التفكير والتعبير. المشكلة أن تسبقنا الكلمات الجاهزة إلى أفكار لم نختبرها بأنفسنا. ربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى أن نتأنى في الكلام، لا لأن الصمت أفضل دائمًا، وإنما لأن البحث عن الكلمة المناسبة قد يكون بحثًا عن الفكرة نفسها. وقد يكون السؤال الذي نطرحه على أنفسنا: «ماذا أقصد حقًا؟» أكثر أهمية من السؤال: «ماذا سأقول؟».
فاللغة لا تقف دائمًا عند نهاية التفكير لتخبر الآخرين بما وصلنا إليه. أحيانًا تمشي معنا في الطريق، وتضيء لنا شيئًا لم نكن نراه. وفي بعض اللحظات، لا تكون الكلمة هي التي جاءت بعد الفكرة، بل تكون هي التي دلّتنا عليها.