ثامر الشهراني
في الجزء الأول من هذه القراءة، كان السؤال: ماذا يحدث إذا انتقلت المعركة مع إيران من استهداف شريان النفط والتجارة إلى استهداف شريان المال؟ اليوم لم يعد السؤال افتراضيًا، فالتطورات الأخيرة تقول إن المعركة دخلت هذه المرحلة بالفعل، وإن الدولار بدأ يتحول من أداة للتجارة إلى أداة للضغط، ومن وسيلة لتسوية المعاملات إلى نقطة اختناق يمكن لواشنطن أن تضيقها متى أرادت.
في 28 أغسطس، جاءت الخطوة الأمريكية تجاه فرع بنك مصر في الإمارات لتكشف جانبًا جديدًا من هذه المواجهة؛ إذ تحركت وزارة الخزانة الأمريكية ضده على خلفية معاملات قالت واشنطن إنها مرتبطة بشبكات مالية إيرانية، واقترحت منع المؤسسات المالية الأمريكية من فتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالحه أو نيابة عنه. وبحسب الخزانة الأمريكية، عالج الفرع نحو 1.8 مليار دولار من المعاملات لصالح 103 شركات خلال الفترة من يناير 2024 إلى يونيو 2026.
القيمة الحقيقية لهذا التطور ليست في اسم البنك وحده، ولا في حجم الأموال وحده، وإنما في الرسالة التي يحملها: واشنطن لا تطارد الأموال الإيرانية داخل إيران فقط، بل تطارد الطريق الذي تسلكه هذه الأموال عندما تغادر إيران. لم تعد العقوبة تستهدف الطرف الإيراني مباشرة، بل تمتد إلى الوسيط الذي يوفر له نافذة على النظام المالي العالمي. وهذه هي فكرة العقوبات الثانوية في أبسط صورها: تستطيع أن تتعامل مع إيران، لكن عليك أن تسأل أولًا عن كلفة بقاء علاقتك بالدولار إذا اعتبرت واشنطن هذه العلاقة تجاوزًا لخطوطها الحمراء.
ومن هنا أصبحت المصارف في قلب المعركة. فإيران قد تستطيع بيع النفط عبر طرق ملتوية، واستخدام أساطيل وشركات ووسطاء متعددين، وتغيير مسارات الشحن، لكنها في النهاية تحتاج إلى تسوية المعاملات وتمويل التجارة وتحريك العائدات.
قد تصل الأموال إلى حساب ما، لكن السؤال يبدأ بعد ذلك: هل يمكن تحويلها؟ وهل يقبل بها مصرف آخر؟ وهل تستطيع الشركة المستفيدة استخدامها في شراء السلع أو دفع تكاليف الشحن والتأمين؟ وهل يستطيع الطرف المقابل قبولها دون أن يخشى فقدان علاقته بالنظام المالي الأمريكي؟
لكن القاهرة سارعت إلى وضع حدود واضحة للقضية. فقد أوضح البنك المركزي المصري أن الإجراء الأمريكي يتعلق بفرع بنك مصر في الإمارات ومعاملاته بالدولار مع المراسلين، ولا يشمل بنك مصر في مصر أو بقية فروعه، مع استمرار التواصل مع الجانب الأمريكي بشأن الإجراءات. وهذا التفصيل مهم؛ لأن واشنطن لا تضرب بالضرورة المؤسسة كاملة، وإنما تحاول قطع الجزء الذي ترى أنه يمثل قناة عبور. كما أكد بنك مصر استمرار خدمات الفرع لعملائه وفق القواعد والإجراءات السارية.
ولم يقتصر التعامل مع التطور على الجانب المصري، إذ تحرك البنك المركزي الإماراتي بدوره، وأعلن إجراء فحص خاص وعاجل لفروع بنك مصر العاملة في الدولة، على أن يشمل مراجعة معمقة للمعاملات خلال الفترة التي أشارت إليها السلطات الأمريكية، مع التركيز على الشركات الواردة في البيان الأمريكي. كما شدد على التزام المؤسسات المالية بالقوانين والمعايير الدولية وتجنب مخاطر السمعة والامتثال. وهذه الخطوة مهمة؛ لأنها تعني أن القضية أصبحت موضع تدقيق من الجهة الرقابية في الدولة التي يعمل فيها الفرع، لا مجرد خلاف بين واشنطن وبنك محدد.
فحين ترى المؤسسات المالية ما حدث لغيرها، لا تحتاج واشنطن إلى إصدار عشرات القرارات. يكفي قرار واحد لكي تبدأ بقية المؤسسات في تشديد إجراءاتها، ومراجعة علاقاتها، وتقليل تعرضها للعمليات ذات الصلة بإيران. عندها يتحول الخوف من العقوبة إلى أداة عقوبة بحد ذاته، وتنتقل المعركة من العقوبات إلى الردع المالي. ونجاح هذا الردع لا يقاس بعدد البنوك التي عوقبت، وإنما بعدد المؤسسات التي قررت الابتعاد عن المخاطر قبل أن تصبح هدفًا مباشرًا.
بعد ذلك تصبح شبكة المال أهم من المال نفسه. فالمشكلة بالنسبة لإيران ليست فقط في امتلاك الإيرادات، وإنما في القدرة على تحريكها واستخدامها وتمويل التجارة من خلالها. ومع كل طبقة إضافية من الوسطاء ترتفع التكلفة، ويزداد احتمال اكتشاف العملية، وتتقلص هوامش الربح، ويصبح الالتفاف على العقوبات نشاطًا يحتاج إلى شبكة أكثر تعقيدًا وأكثر مخاطرة. لذلك فإن الضغط لا يحتاج إلى إيقاف التجارة بالكامل؛ يكفي أن يجعل الطريق إليها أطول وأغلى وأكثر تعرضًا للانقطاع.
ولم تتوقف الحملة عند فرع بنك مصر. فبالتزامن مع الإجراء، استهدفت الخزانة الأمريكية مسؤولًا في فرع بنك ملي الإيراني في دبي، كما استهدفت شركة في هونغ كونغ قالت واشنطن إنها ساعدت جهة صرافة إيرانية خاضعة للعقوبات على غسل الأموال والوصول إلى النظام المالي الدولي. وتحمل هذه الخطوات رسالة واحدة: الشبكة التي تسمح بتحريك الأموال الإيرانية أصبحت هدفًا بحد ذاتها، وكل حلقة فيها يمكن أن تتحول إلى نقطة ضغط.
وإيران ليست أمام حصار جديد بالكامل. سنوات العقوبات دفعتها إلى تطوير مسارات بديلة، من العملات المحلية والذهب إلى الوسطاء وشركات الواجهة والتجارة غير المباشرة. ولذلك فإن السؤال ليس هل تستطيع طهران الالتفاف على العقوبات، فقد أثبتت قدرتها على ذلك، وإنما هل تستطيع المحافظة على هذه القنوات عندما ترتفع تكلفة تشغيلها وتزداد مخاطر الأطراف المشاركة فيها؟ فطهران لا تحتاج إلى نظام مالي مفتوح بالكامل حتى تستمر؛ يكفيها عدد من الفتحات الصغيرة التي تسمح لها بتمويل تجارتها وتحريك جزء من إيراداتها. وهذه هي النقطة التي تحدد شكل المرحلة المقبلة في المرحلة القادمة.
وعليه، فإن ما جرى مع فرع بنك مصر في الإمارات ليس مجرد خبر مصرفي عابر، بل علامة على أن المعركة تتحرك من البحر إلى الحسابات، ومن السفن إلى البنوك، ومن مضيق هرمز إلى الممرات غير المرئية التي تمر فيها الأموال. في الجزء الأول كان السؤال عن انتقال الضغط من شريان الطاقة إلى شريان المال، أما اليوم فالمشهد يقول إن هذا الانتقال بدأ يأخذ شكلًا عمليًا. والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟ بل: كم شريانًا ماليًا تستطيع إيران أن تفقد قبل أن يبدأ اقتصادها نفسه في الشعور بالاختناق؟