مرفت بخاري
لا يستهويني الحديث كثيرًا عن بعض التفاصيل التي تغيّرت في هذه الأيام، فأنا ضد الانسلاخ الزمني، وضد الانتساب إلى الأزمنة ووصفها بزمن الطيبين، وكأن الخير كان حكرًا على زمن مضى، وكأن حاضرنا لم يعد يعرف من الطيبين أحدًا. فكل الأزمان تحمل الطيب والخبيث، منذ بدء الخلق وحتى يومنا هذا، وما من زمن خلا من أناسٍ طابت سرائرهم وحسنت أفعالهم، كما لم يخلُ من أناسٍ حملوا في نفوسهم ما يناقض ذلك.
وحتى في خير القرون، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجدنا المنافقين وأهل السوء، حتى إن القرآن الكريم خلّد أبا لهب في سورة تُتلى إلى يومنا هذا، ليبقى شاهدًا على أن شرف الزمن لا يجعل جميع من يعيشون فيه صالحين، كما أن فساد بعض أهله لا يجعل الزمن فاسدًا، فالزمن لا يُصنّف بالطيب والخبيث، وإنما يُصنّف الإنسان بما يتركه فيه من أثر، والأيام كلها لله، يتداولها بين الناس كيف يشاء.
لذا أتعجب كيف يُدس السم في العسل، وكيف تُحشد هذه القناعة في نفوس الجيل الجديد، حتى يصبح كل تجاوز أخلاقي قابلًا للتبرير تحت عناوين براقة، فيُنظر إلى الاعتراض عليه باعتباره رفضًا للوضوح، أو تضييقًا على الحرية الشخصية، أو انتقاصًا من الحقوق، وكأننا أمام معادلة جديدة تجعل الحرية إعفاءً من المسؤولية، والحقوق غطاءً للتجاوز، والوضوح مبررًا للتجرد من الحياء والذوق واحترام الآخرين، وما أخشاه ليس أن تتغير بعض المفاهيم، فالتغير سنة الحياة، وإنما أن نفقد قدرتنا على التمييز بين الحق الذي يستحق أن يُصان، والتجاوز الذي لا يصبح حقًا لمجرد أن أحدًا أطلق عليه اسم الحرية.
وأكاد أجزم أن الحقوق والواجبات تُقدَّم بأكمل وجه حين تكون مرتبطة بالعمل والمصلحة، فاحترام المسؤولين، وتقدير وجودهم، والإصغاء إلى أوامرهم، والاستماع إلى تعليماتهم، لا يزال حاضرًا وبقوة، لأن العلاقة هنا مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بإمكاناتك المادية، ومكانتك الوظيفية، وصورتك أمام المجتمع، أما عائلتك، فلا مصلحة مادية مباشرة باتت تربطك بها، ولا مدير يقف خلفك لتراقب أداءك، ولا ترقية تنتظرها مقابل التزامك، فيصبح الوفاء بواجباتك تجاههم أمرًا قابلًا للتأجيل، ويصبح التقصير في حقهم قابلًا للتبرير تحت عناوين الحرية الشخصية والاستقلال والخصوصية، وهنا أتساءل، أي زمن جميل هذا الذي يجعل الإنسان يتخلى عن واجباته تجاه من لا يملك سلطة عليه، بينما يبالغ في احترام من يملك قرارًا قد يؤثر في راتبه ومكانته ومستقبله؟
كونوا عادلين، فالزمن مرعب في تصفية حساباته. إياكم أن تتباهوا بأنكم أبناء هذا الزمن، ثم تتنكروا للجيل القديم وكأنكم لم تأخذوا منه شيئًا. فوالله، ما تعلمناه من أمهات الكتب لا يأتي جناح بعوضة أمام ما تعلمناه من معاشرتنا للجيل الأقدم، فقد تعلمنا منهم الإنسانية والعطاء والأصالة، وتعلمنا أن لكل إنسان منا واجبات لا بد أن يتقنها، لا لأنها مفروضة عليه فحسب، وإنما لأنها جزء من قيمته ومروءته.
كانت الابنة تتعلم الطبخ والغسل والكي، وتتعلم كيف تستقبل ضيوفها، وكيف تكرمهم، وكيف تخدم أهلها وأهل زوجها، وكان كل ذلك يدخل في سجل الواجبات، لا في سجل التنازلات التي تشعر أنها انتقاص من حريتها أو استقلالها.
أما الرجل، فلم تكن الرجولة يومًا مجرد مظهر أو كلمة، فقد كان الكرم رجولة، والصدق رجولة، والنخوة رجولة، وحفظ العهد رجولة، والوفاء بالكلمة رجولة، وصلاة المسجد رجولة، والانتماء والأمانة وحماية من حوله رجولة. هكذا تعلمناها، وهكذا عشناها، وهكذا لا نزال ننتظر من الأقدار الطيبة أن تقدم لنا رجالًا ونساءً يحملون هذه القيم بكل فخر، لا أن يتنكروا لها لمجرد أنها جاءت من زمن أقدم.
ولست أدعو إلى العودة إلى زمن مضى، ولا أزعم أن كل ما كان فيه جميل، كما أنني لا أرى أن كل ما يأتي به حاضرنا سيئ. أنا فقط أدعو إلى أن نكون أكثر عدلًا حين نقارن، وأكثر إنصافًا حين نحكم، فلا نجعل من الحرية ذريعة للتخلي عن الواجب، ولا من الحقوق بابًا لإسقاط المسؤولية، ولا من التطور سببًا للتنكر لكل ما تربينا عليه.
فالإنسان لا يكبر لأنه ينتمي إلى زمن حديث، ولا يصغر لأنه جاء من زمن قديم، وإنما تكبره أخلاقه، ويصنع قيمته ما يقدمه للآخرين، وما يحفظه من عهود، وما يؤديه من واجبات حين لا يكون هناك رقيب ولا مصلحة ولا خوف من خسارة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ألا نورثهم حكاياتنا عن زمن الطيبين، بل نورثهم الطيبة نفسها، ألا نحكي لهم عن الرجولة، بل نعلمهم كيف يكونون رجالًا، وألا نطالبهم بالحقوق قبل أن نعلمهم معنى الواجب، وألا نغرس فيهم أن الحياة أخذ مستمر، بل نعلمهم أن الإنسان لا يُقاس بما أخذه من الدنيا، وإنما بما تركه فيها.
فالزمن لا يحتاج منا أن نصفه بالجميل أو القبيح، لأن الزمن سيمضي بنا جميعًا، ولن يبقى لنا منه إلا ما صنعناه فيه. وحين يأتي يوم الحساب، لن يسألنا أحد من أي زمن كنتم، وإنما سيُسأل كل واحد منا ماذا فعل بما أُعطي، وكيف عاش، وكيف عامل من حوله؟
فكونوا عادلين، ولا تتباهوا بزمنكم، فكل زمن له أهله، وكل جيل له أخطاؤه، والأيام دول، وما نراه اليوم تقدمًا قد تكشف لنا الأيام غدًا ثمنه، وما نظنه قديمًا قد نكتشف بعد فوات الأوان أنه كان أصلًا من أصول بقائنا.