د. أحمد محمد القزعل
قبل أن يتعلّم الطفل كيف يُجيب يتعلّم كيف يسأل، ثم يرفع عينيه الصغيرتين إلى العالم بدهشة، ثم يقذف في وجهه سؤالاً بسيطاً قد يعجز الكبار عن الإجابة عنه، فهو لا يعرف الفلسفة بوصفها علماً ومصطلحات، لكنه يمارسها بفطرته؛ يسأل عن السماء والموت والحياة والروح والوجود، وعن أشياء يمرّ بها الكبار دون أن يتوقفوا أمامها، ومن هنا تبدأ الحكاية: حكاية الإنسان الباحث عن المعنى.
الفيلسوف الصغير ليس ذلك الطفل الذي يحفظ الكثير من المعلومات، بل الذي يمتلك فضولاً لا يهدأ ودهشة لا تنطفئ، ففي السؤال الأول الذي يخرج من فمه تختبئ بذرة الوعي وربما البذرة الأولى للمعرفة الإنسانية كلها، وحين يتأمل الطفل المطر أو يسأل عن الموت أو يحاول فهم شيء لا تراه عيناه، فإنه لا يطلب معلومة فحسب، بل يحاول أن يبني علاقة مع عالم لم يكتمل فهمه في داخله بعد.
لقد كان الوصول إلى المعرفة في الأزمنة القديمة رحلة شاقة تحتاج إلى الكتب والأسفار والأعوام الطويلة، أما اليوم فقد أصبحت المعرفة تسكن في جهاز صغير يحمله الطفل بين يديه، وبضغطة واحدة يستطيع أن يسأل الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي، فتتدفق أمامه آلاف الإجابات. لكن المفارقة أن وفرة الإجابات جعلت فن السؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لم تعد التربية الحقيقية أن نحشو ذاكرة الطفل بالمعلومات، بل أن نوقظ في عقله القدرة على التفكير، وأن نحمي في قلبه شغف السؤال. فإذا قال: (لماذا نموت؟) فلا ينبغي أن نسارع إلى إسكاته بإجابة جاهزة، بل أن نصغي إلى ما وراء السؤال؛ فقد يكون خلفه خوف يحتاج إلى أمان أو حيرة تبحث عن معنى أو قلب صغير يريد أن يفهم الحياة.
إن الطفل الذي يُسمح له بالسؤال يتعلم أن يفكر وأن يناقش وأن يراجع، وأن يبحث عن الحقيقة دون خوف، وحين يقول له أبوه: (لا أعلم، فلنبحث معاً)، يتعلم الطفل درساً أعظم من كثير من الإجابات: إن الاعتراف بعدم المعرفة ليس ضعفاً، بل بداية الطريق إليها.
فلنربِّ أطفالنا على الدهشة قبل الحفظ وعلى التفكير قبل التلقين، وعلى الحوار قبل الأوامر، لنعامل عقولهم الصغيرة باحترام يليق بإنسانيتهم؛ فكل سؤال صادق قد يكون نافذة تُفتح على عالم جديد.
إن الطفل الفيلسوف مرآة تذكّرنا بما فقدناه ونحن نكبر: دهشة البدايات، ولعل أعظم مهمة تربوية في زمن امتلأ بالمعلومات أن نحمي في أطفالنا تلك الشعلة الصغيرة التي تجعلهم يرفعون رؤوسهم نحو السماء ويسألون: لماذا؟ لأن العالم الذي يموت فيه السؤال، قد لا يموت فيه العقل وحده، بل ربما يموت فيه كل شيء له معنى.