د. ناهد باشطح
فاصلة:
«نسافر وبعضنا يظل مسافراً إلى الأبد، بحثاً عن أحوال أخرى وحيوات أخرى وأرواح أخرى»
-اناييس نين، كاتبة يوميات أمريكية-
***
بعد إجازة امتدت شهراً عن هذه الزاوية، أعود هذه المرة بسلسلة مختلفة قليلاً. ليست عن رحلة سياحية لجزيرة «بالي» بوصفها وجهة سياحية، ولا عن معسكر تدريبي أو مركز علاجي بحد ذاته، بل عن رحلة بدأت قبل الوصول، ثم فتحت أسئلة عن مشاعر الخوف والعجز، والاستقلال، والمال، والجسد، وما الذي يحدث لنا عندما نخرج مؤقتاً من حياتنا المعتادة إلى المجهول فنتعرف عليه.
بعد أن أنهيت حجوزات الطيران والسكن مع فريق عمل «د إيهاب الحمارنة» للانضمام إلى «معسكر الثراء» المقام في «بالي»، حدث شيء طريف: أدركت فجأة أنني ذاهبة وحدي إلى الشرق، إلى مكان بعيد، ولغرض لا أستطيع شرحه بجملة واحدة.
لم تكن هذه أول مرة أسافر فيها بمفردي، أيام دراستي للدكتوراه كنت اتنقل وحدي، لكن تلك الرحلات كانت واضحة الهدف؛ دراسة، بحث، جامعة، مواعيد معروفة ونهاية يمكن توقعها، هذه المرة كان الأمر مختلفاً، كنت ذاهبة إلى «ماستر الثراء»، وهو اسم بدا لي في البداية غامضاً بقدر ما كان مثيراً للفضول، ماذا سأجد هناك؟ وما الذي أبحث عنه أصلاً؟ هل أريد الثراء يسبغ حياتي من جميع جوانبها؟
لم تكن لدي إجابة جاهزة، لكن كان لدي ثقة كبيرة في قيمة ما يقدمه هذا المدرب من محتوى فقد اشتركت في أكثر من دورة تدريبية معه، لكن هذه المرة ثماني ليالي في جزيرة بالي مع مجموعة تزيد عن مائة متدرب.
بناتي اقترحن عليّ أن أفعّل خاصية مشاركة الموقع في منصة سناب شات، فضحكت وقلت لهن إنني لم أطلب منهن ذلك حين يسافرن، ضحكنا، لكنني انتبهت إلى تبدل صغير في الأدوار؛ الأبناء الذين كنا نقلق عليهم يبدأون في لحظة ما عندما يكبرون ونكبر نحن بالقلق علينا.
مجموعة من صديقاتي لم تلفت نظرهن الرحلة بينما استقبلت صديقاتي في مانشستر قرار الرحلة بحماس مختلف، ذهبن معي للتسوق واختيار ملابس المعسكر وبالي، وكأنّ الرحلة بدأت قبل أن أصل إلى المطار.
أدركت أن بعض قراراتنا ليست شخصية بل توقظ في الآخرين قلقاً أو حماساً، وأن قراراتنا الشخصية لا تبقى داخلنا دائمًا، بل تثير حولنا مشاعر وأسئلة لا نقولها.
تذكرت لاحقاً «إليزابيث غيلبرت»، صاحبة كتاب Eat Pray Love، التي سافرت لا لتجمع صوراً من العالم بل بحثاً عن معنى بعد أن فقدت توازن حياتها المعتاد، وتساءلتُ كيف تسافر النساء إلى بلدان بعيدة لإيجاد إجابات عن الأسئلة، ليست كل الرحلات سياحة، وبعضها لا يبدأ بخريطة بقدر ما يبدأ بسؤال، والنساء تحديداً لا يحملن حقائبهن للسفر بل يحملن أمتعة عاطفية أخرى مرتبطة بمسؤوليتهن الأسرية حتى لو لم يكن متزوجات، المرأة حين تسافر بمفردها تبتعد عن أدوار اعتادت أن تعرّف نفسها من خلالها: الأم، الابنة، الزوجة، الموظفة والصديقة، ولهذا قد تتحوّل الرحلة الفردية إلى مساحة نادرة تلتقي فيها المرأة بنفسها خارج توقعات الآخرين.
أما سؤالي قبل «بالي» فكان بسيطاً وغامضاً في آن واحد: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يترك المألوف وينفق المال والوقت والجهد ليذهب إلى تجربة لا يعرف نتيجتها؟
لماذا قلت نعم لهذه الرحلة؟
لم أكن أعرف الإجابة بعد، وربما لهذا السبب تحديداً كان عليّ أن أذهب، بدأتُ رحلة التعافي من ألم فقد اختبرني قبل عشر سنوات، اختلفت الأدوات وتنوعت القنوات، لكن تعلمت شيئاً واحداً مهماً وهو كيف أعيش الحياة باستسلام وسلام.
ربما هذه أول دروس رحلتي إلى بالي: بعض الإجابات لا تأتي إلينا ونحن ننتظرها في أماكننا المعتادة، أحيانا علينا أن نذهب إليها.