د. خالد بن سالم الحربي
يحكى أن الشاعر العراقي الكبير، محمد الجواهري، الذي لُقب بشاعر العرب الأكبر، أحب امرأة فرنسية تدعى آنيت. كتب فيها أروع قصائده، لكنه لم يلفت انتباهها. استنكر محبوه موقف آنيت، متسائلين: على من تتكبرين؟! على شاعر العرب الأكبر؟!، فردت باستغراب: أهذا شاعر العرب الأكبر؟ وأمام إصرارهم، طلبت سماع شيء من شعره. اجتمع رفاقه، وحشدوا طاقاتهم اللغوية في محاولة لترجمة روائع الجواهري إلى الفرنسية، مقدّمين لها النصوص المترجمة. بعد قراءتها، قالت: أصاحب هذه النصوص هو من تدعون أنه شاعر العرب الأكبر؟! ليس فيها ما يدل على ذلك.
هذه الحكاية تلخص مأساة ضياع جوهر النص الأصلي في عملية الترجمة، فما تقدمه العربية في شعر الجواهري من ثراء لغوي وصور بيانية، يتبخر عند نقله إلى لغة أخرى، ليتبقى هيكلا باهتا عاجزا عن نقل روعة الأصل.
ليست مأساة الجواهري مع آنيت سوى نموذج لظاهرة اغتراب الجوهر الأصيل عندما يوضع في محكمة من لا يمتلك أدوات إدراكه. هذا المنطق نفسه، ينطبق على عالم القيادة والمؤسسات، عندما يقود المؤسسة قائد لا يدرك فن القيادة، فكثيراً ما تبتلى المؤسسة بقائد يشبه آنيت في عجزها عن الإحساس بروعة قصائد الجواهري، إنه ذلك القائد الذي لا يفقه جوهر القيادة ولا يعي مقوماتها كفنٍ يجمع بين الحكمة والرؤية والإلهام والحنكة. فهو يرى المنصب سلطةً وإمرةً، لا مسؤوليةً وخدمةً وإبداعاً.
عندما يحاول المستشارون الأكفاء، أو فريق العمل المخلص، إيضاح الصورة الحقيقية، ومحاولة نقلها إلى هذا القائد، فإنهم يواجهون المصير ذاته الذي واجهه مترجمو قصائد الجواهري. تتحول محاولات التوضيح إلى كلمات ضائعة، وحجج عقيمة، لأنه يفتقد القاموس الداخلي والقدرة على فهم هذه المعاني. إنه يسمع الكلمات، لكنه لا يسمع الإبداع الخفي وراءها. يرى الأفكار مجردة، لكنه لا يبصر الحكمة في تطبيقها. وبالتالي، تكون النتيجة هي الرفض والاستهجان، تماماً كما استهجنت آنيت شاعرية الجواهري.
تكشف لنا قصة الجواهري وآنيت، ومثيلاتها في عالم القيادة، حقيقة أن قيمة أي عمل إبداعي أو قيادي لا تتحقق إلا بوجود متلقٍ قادر على تقدير هذا الجوهر. فكما أن القصيدة لا تكتمل بغير قارئ واع، فإن القيادة لا تثمر بغير قائد مدرك. لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه المؤسسات ليس فقط في إيجاد الكفاءات، بل في وضعها في مواقع تقدرها، وتفهم لغتها، وإلا فإن ألمع الأفكار وأسماها سيظل حبيس الترجمة الفاشلة إلى عقل لا يستوعب، فيضيع الجوهر، وتبقى القشور.