محمد بن عبدالله آل شملان
تخوض المملكة اليوم طفرة تنموية غير مسبوقة في كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، مستندة إلى خارطة طريق طموحة صاغتها رؤية السعودية 2030.
وفي قلب هذه الرؤية، يبرز ملف الأمن الغذائي المستدام كواحد من أهم الركائز الإستراتيجية التي تحظى باهتمام بالغ ومباشر من لدن القيادة الرشيدة -أيدها الله- ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان.
لقد وضعت القيادة الحكيمة قطاع الزراعة في مقدمة أولوياتها، وضخت استثمارات هائلة عبر صندوق التنمية الزراعية ومبادرات وزارة البيئة والمياه والزراعة لتحويل هذا القطاع إلى رافد اقتصادي حيوي. ومع هذا الدعم السخي، تبرز حاجة ملحة لمعالجة التحدي الأكبر الذي يواجه المزارع السعودي اليوم، وهو تحدي التسويق والعدالة السعرية. إن إنقاذ المنتجات الزراعية الوطنية وحمايتها من الانهيار يتطلب فكرًا تنظيميًا جديدًا يواكب تطلعات القيادة، ويتمثل في إنشاء شركات تسويقية عملاقة وحوكمة سياسات الاستيراد لحماية المنتج والمستهلك معًا.
لم تبخل القيادة الرشيدة يومًا في تقديم الدعم اللا محدود للمزارع السعودي؛ فرأينا حزم التحفيز، وإدخال التقنيات الحديثة كالبيوت المحمية المطورة وأنظمة الري المرشدة للمياه، وتسهيل القروض الميسرة. هذا الاهتمام ينبع من رؤية ثاقبة تدرك أن الاستقرار الغذائي هو جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل
ولكن، ليجني هذا الدعم الثقيل ثماره كاملة، لا بد من حماية المزارع في المرحلة الأخيرة من الدورة الزراعية وهي مرحلة البيع والتسويق. فالجهد الفائق الذي يبذله المزارع السعودي لإنتاج محاصيل ذات جودة عالمية، يصطدم أحيانًا بأسواق عشوائية يسيطر عليها الوسطاء والدخلاء، مما يجعل المنتج المحلي عرضة لخسائر غير عادلة تهدد استمراريته.
يعاني السوق الزراعي المحلي من خلل هيكلي واضح في سلاسل الإمداد. فالمنتج يخرج من المزرعة بسعر زهيد جدًا لا يغطي في كثير من الأحيان تكاليف النقل والكراتين وأجور العمالة، ليعاد بيعه في منافذ البيع النهائية للمستهلك بأسعار مضاعفة.
هذه الفجوة السعرية الكبيرة لا يستفيد منها المزارع الكادح ولا المستهلك الباحث عن سعر عادل، بل تذهب كأرباح سهلة لصالح «الوسطاء والسماسرة». هذا الوضع يفرض ضغطًا اقتصاديًا هائلًا على المزارعين، وقد يدفع بعضهم إلى هجر أراضيهم الزراعية، وهو أمر يتعارض تمامًا مع خطط الدولة الرامية إلى الاكتفاء الذاتي وتعظيم المحتوى المحلي.
إن الحل الجذري لهذه المعضلة يكمن في ترجمة التوجيهات الحكيمة إلى كيانات مؤسسية قوية، عبر تأسيس شركات تسويقية زراعية كبرى «سواء كشركات مساهمة عامة، أو تحالفات تعاونية بين المزارعين بدعم من الدولة». هذه الشركات ستلعب دور البطل التنظيمي في السوق من خلال استلام المحاصيل مباشرة من المزارعين بأسعار عادلة تضمن لهم هامش ربح مستقر ومجزٍ، مما يمنحهم الأمان المالي للاستمرار والتوسع، وإنشاء مراكز لوجستية متطورة للفرز والتدريج والتعبئة والتبريد، لضمان وصول المنتجات للمستهلك بأعلى معايير الجودة والنظافة، وإلغاء دور العمالة الوافدة المسيطرة والوسطاء غير النظاميين في أسواق النفع العام، مما يسهم في خفض الأسعار وتثبيتها بشكل عادل للمستهلك النهائي.
إذا نظرنا إلى الدول الأوروبية التي حققت نجاحًا باهرًا في الملف الزراعي مثل فرنسا وهولندا، نجد أن السر لا يكمن فقط في جودة التربة، بل في قوة المنظومة التسويقية والتشريعية.
في تلك الدول، يركز المزارع جهده بالكامل داخل الحقل، لأن هناك «تعاونيات وشركات تسويقية عملاقة» يمتلك المزارعون حصصًا فيها، تتولى هي كفاح التسويق. هذه الكيانات تمتلك القوة التفاوضية فرض أسعار عادلة أمام سلاسل السوبرماركت الضخمة. علاوة على ذلك، تضع هذه الدول قوانين صارمة تمنع بيع أي منتج زراعي بأقل من تكلفته الحقيقية، معتبرة أن حماية المزارع هي حماية للنسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
تكتمل حلقة الإنقاذ الاقتصادي بتبني سياسة استيراد ذكية وحازمة تحمي المنتج الوطني من «الإغراق السعري». لا يمكن للمزارع المحلي الذي يلتزم بمعايير وطنية صارمة ومكلفة في الري والإنتاج أن ينافس محاصيل مستوردة من دول ذات تكاليف إنتاج متدنية جدًا وتفتقر لرقابة الجودة.
لذا، فإن المطلب الأساسي لتحقيق التوازن هو تقنين الاستيراد وربطه بفرص الوفرة المحلية بناء على «الروزنامة الزراعية السعودية»، يجب تطبيق السياسات التالية، أولها منع أو تقليص استيراد أي محصول زراعي في المواسم التي يغطي فيها الإنتاج المحلي حاجة السوق، ثانيهما فتح باب الاستيراد جزئيًا فقط وفي أوقات محددة عند وجود عجز مثبت في المنتج المحلي لا يمكن تغطيته، لضمان عدم حدوث شح في الأسواق، هذه الحوكمة بالتأكيد ستمنح المنتج السعودي الأولوية القصوى في منافذ البيع، وتجعل المستهلك شريكًا في دعم اقتصاد وطنه عبر استهلاك منتجات طازجة، آمنة، ومراقبة بدقة من الجهات الحكومية لضمان خلوها من المتبقيات الكيميائية.
إن إنقاذ المنتجات الزراعية السعودية هو تجسيد حقيقي لمستهدفات الرؤية المباركة 2030 في الاعتماد على الذات وتنويع مصادر الدخل. وبفضل الدعم السخي والرؤية السديدة للقيادة الرشيدة، تمتلك المملكة اليوم كافة المقومات للعبور بهذا القطاع نحو بر الأمان. إن التحرك السريع لإنشاء شركات تسويقية منظمة، وفرض سياسات استيراد تحمي جهود أبناء الوطن في المزارع، هو الخطوة الحتمية لحفظ حقوق المزارع من الانهيار، وتأمين غذاء صحي وبسعر عادل لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض الطيبة.