صبحي شبانة
لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من أدوات الحرب، وإنما بما تملكه من قدرة على منع الحرب من أن تتسع، وعلى تحويل لحظة الخطر إلى فرصة للتفاوض قبل أن يتحول التصعيد إلى واقع يصعب التراجع عنه، وفي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو المملكة العربية السعودية أمام اختبار من أكثر الاختبارات السياسية والدبلوماسية تعقيدًا، لأنها ليست طرفًا في هذا الصراع، لكنها تقع في قلب تداعياته، ولأن أمن الخليج واستقرار المنطقة وحرية الملاحة وأمن الطاقة ليست ملفات بعيدة عن مصالحها، بل هي جزء من أمنها الوطني ورؤيتها لمستقبل المنطقة.
السعودية لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة بين دولتين يمكن أن تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، وإنما باعتبارها أزمة يمكن أن تتجاوز حدود واشنطن وطهران لتتحول إلى أزمة إقليمية مفتوحة، وحينها لن يكون هناك طرف رابح بالمعنى الحقيقي، لأن اتساع دائرة النار يعني اضطراب الملاحة، وارتفاع كلفة الطاقة، وتهديد الاستثمارات، وتوسيع دائرة الاستهداف، وإدخال دول المنطقة في حسابات عسكرية لا تريدها ولا تحتاج إليها، وما جرى خلال الأيام الأخيرة من تجدد المواجهات الأمريكية والإيرانية، وما رافقه من مخاطر متزايدة على الملاحة في مضيق هرمز، يؤكد أن المسافة بين الحرب المحدودة والحرب الإقليمية الواسعة أصبحت أكثر ضيقًا من أي وقت مضى.
تأتي أهمية الدور السعودي ليس باعتباره دورًا يبحث عن تسجيل موقف سياسي، وإنما باعتباره محاولة لإدارة الأزمة قبل أن تتفاقم، فالمملكة تدرك أن استمرار الحرب لا يعني فقط استمرار الضربات المتبادلة، وإنما يعني تراكمًا يوميًا للمخاطر، وكلما طال أمد المواجهة أصبحت العودة إلى التفاوض أكثر صعوبة، لأن الدماء والخسائر والضغوط الداخلية تجعل التراجع أمام الرأي العام أكثر كلفة، وتدفع القيادات السياسية إلى التشبث بالمواقف بدل البحث عن مخارج واقعية، وهنا تحديدًا يظهر فن التفاوض الذي تحتاجه المنطقة اليوم، فالتفاوض ليس أن يجلس الخصمان أمام بعضهما ثم يكرر كل طرف مطالبه، وإنما أن يعرف كل طرف متى يستخدم قوته، ومتى يخفض سقف مطالبه، ومتى يدرك أن الاستمرار في الصراع قد يبدد ما حققه، والمفاوض المحترف لا يبحث عن انتصار كامل، لأنه يعرف أن الانتصار الكامل في الأزمات المعقدة قد يكون وهمًا، وإنما يبحث عن صيغة تجعل الاتفاق ممكنًا، وتمنح كل طرف ما يسمح له بالعودة إلى الداخل دون أن يبدو مهزومًا.
وهذا النوع من الدبلوماسية هو ما تحتاجه الأزمة الأمريكية الإيرانية، فالولايات المتحدة تملك أدوات ضغط عسكرية واقتصادية هائلة، وإيران تملك أوراقًا جغرافية وأمنية وقدرة على التأثير في البيئة الإقليمية، لكن امتلاك الأوراق لا يعني بالضرورة امتلاك الحل، فالحرب تستطيع أن تغير موازين القوة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج نظامًا مستقرًا للعلاقات بين الدول، والقوة قد تفرض هدنة، لكنها لا تضمن سلامًا، ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط من يستطيع أن يوجه الضربة الأقوى؟، وإنما من يستطيع أن يصنع المخرج الذي يمنع الضربة التالية؟
وهنا يمكن فهم التحرك السعودي، فقد أكدت الرياض بوضوح، عندما رحبت في يونيو بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات تفصيلية لمدة ستين يومًا، أن هدفها ليس هدنة عابرة، وإنما الوصول إلى اتفاق دائم يعزِّز أمن المنطقة والعالم، ويعيد أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية لدول المنطقة، واحترام سيادة الدول وشؤونها الداخلية، وهذه ليست لغة دولة تريد أن تكون طرفًا إضافيًا في الحرب، وإنما لغة دولة تريد أن تمنع الحرب من إنتاج نظام جديد من الفوضى، كما أن السياسة السعودية لا تقوم على خطاب صاخب بقدر ما تقوم على توظيف شبكة علاقاتها الدولية والإقليمية لفتح مساحات للحوار، ودفع الأطراف نحو التهدئة، والحفاظ على إمكانية العودة إلى المسار السياسي، دون أن تتحول المملكة إلى طرف في المعركة.
الدبلوماسية في زمن الحرب لا تعمل فقط أمام الكاميرات، ولا تظهر دائمًا في البيانات الرسمية، وإنما تعمل في المساحات التي لا يراها الجمهور، في الرسائل التي تنتقل بين العواصم، وفي التقديرات التي توضع أمام صانع القرار، وفي المحاولات الهادئة لإقناع طرف بأن الخطوة التالية قد تكون أكثر كلفة من الخطوة السابقة، وفي البحث عن نقطة يمكن عندها إيقاف التصعيد دون أن يشعر أي طرف بأنه اضطر إلى الاستسلام، وهذه هي إدارة الأزمة في صورتها الأكثر تعقيدًا، والسعودية بحكم وزنها السياسي والاقتصادي والجغرافي تمتلك ما يجعلها مؤهلة للتحرك في هذه المساحة، فهي ليست دولة بعيدة عن الصراع حتى تتحدث عنه من موقع المراقب، وليست دولة غارقة فيه حتى تفقد القدرة على رؤية الصورة كاملة، إنها في قلب الخليج، لكنها تتحرك بمنطق أن حماية الخليج لا تكون بإشعال مزيد من الجبهات، وإنما بمنع الجبهات من التوسع، وهذا الفارق مهم جدًا.
فالدول التي تتعامل مع الأزمات بمنطق رد الفعل تتحرك بعد وقوع الحدث، أما الدول التي تمتلك رؤية إستراتيجية فتحاول أن ترى الحدث قبل وقوعه، وأن تقرأ تداعياته قبل أن تتشكل، وأن تمنع انتقال الأزمة من مستوى إلى آخر.
كما أن السعودية لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملفًا عسكريًا منفصلًا، وإنما باعتبارها منظومة من المخاطر المتداخلة، الأمنية والسياسية والاقتصادية والملاحية، وهذه النظرة الشاملة هي التي تمنح دبلوماسيتها قيمة إضافية، لأنها لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، وإنما عن معالجة الظروف التي تجعل إطلاق النار ممكنًا مرة أخرى، فما جدوى أن تتوقف الصواريخ إذا بقيت أسباب الحرب قائمة؟ وما قيمة الهدنة إذا كانت مجرد فترة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف؟ وما معنى فتح مضيق هرمز اليوم إذا كان يمكن أن يتحول غدًا إلى ساحة صراع جديدة؟ المشكلة الحقيقية ليست في الوصول إلى لحظة هدوء، وإنما في تحويل الهدوء إلى مسار سياسي دائم، وهذا هو أصعب ما في التفاوض، أن تجعل الخصم يرى في السلام مصلحة، لا تنازلًا، وأن تجعل الاتفاق يبدو أمام شعبه فرصة، لا هزيمة، وأن تصنع من المصالح المتعارضة مساحة مشتركة يمكن البناء عليها، وهذه ليست مهمة القوة العسكرية، وإنما مهمة العقل السياسي.
إن المملكة لا تحاول فقط إنهاء صراع أمريكي إيراني، وإنما تحاول منع هذا الصراع من إنتاج صراع أكبر، وهي تدرك أن استمرار المواجهة قد يضع المنطقة أمام سلسلة من ردود الأفعال التي لا يستطيع أحد التحكم في نهايتها، ضربة تؤدي إلى ضربة، وضربة أخرى تستهدف منشأة في دولة خليجية، ثم رد جديد، ثم إغلاق ممر بحري، ثم ارتفاع أسعار الطاقة، ثم تدخلات دولية، وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم أمام حرب لم يعد أحد يعرف كيف بدأت بالضبط ولا كيف يمكن إيقافها، هذه هي اللحظة التي تصبح فيها الدبلوماسية ضرورة أمنية، وليست مجرد خيار سياسي، والرياض تدرك ذلك جيدًا، فمشروعها الداخلي القائم على التنمية والاستثمار والانفتاح الاقتصادي يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، ولا يمكن أن تتعايش المشاريع الكبرى مع منطقة مفتوحة على حرب بلا سقف، ولذلك فإن الاستقرار بالنسبة إلى المملكة ليس موقفًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما جزء من مشروعها الإستراتيجي.
لكن المملكة في الوقت نفسه لا تنظر إلى الاستقرار باعتباره استسلامًا للأمر الواقع، فالدبلوماسية لا تعني التنازل عن المصالح، والتهدئة لا تعني التخلي عن الأمن، والحوار لا يعني قبول كل ما يطرحه الطرف الآخر، بل إن أقوى أشكال الدبلوماسية هي التي تجمع بين القوة والمرونة، وتعرف متى تتحدث بلغة المصالح، ومتى تستخدم أدوات الضغط، ومتى تفتح الباب ومتى تغلقه، وتعرف أن لكل أزمة لحظة مناسبة للحل، وأن إضاعة هذه اللحظة قد تجعل الحل غدًا أكثر كلفة من اليوم، ومن هنا فإن الدور السعودي في الأزمة الحالية قد يكون أهم من مجرد الوساطة التقليدية، فالمملكة تستطيع أن تساعد في تشكيل البيئة السياسية التي تجعل العودة إلى التفاوض ممكنة، وأن تدفع باتجاه تفاهمات تحمي أمن الخليج وحرية الملاحة، وأن تؤكد للأطراف الكبرى أن أي اتفاق لا يأخذ مصالح دول المنطقة في الاعتبار سيظل ناقصًا، لأن المنطقة هي التي ستدفع ثمن أي فشل جديد.
قيمة الدور السعودي تنبع من ثقله الخاص، وقدرته على الجمع بين العلاقات الدولية والمكانة الإقليمية والمصلحة المباشرة في منع التصعيد، وقد أظهرت التطورات السابقة أن جهود الوساطة يمكن أن تفتح نوافذ للحوار حتى عندما تبدو المسافة بين واشنطن وطهران شاسعة، ومع ذلك فإن النجاح في إدارة الأزمة لا يعني أن المملكة تستطيع وحدها إنهاء الحرب، فالقرار النهائي يبقى في واشنطن وطهران، وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الطريق إلى التسوية ما زال شديد الوعورة، وأن تجدد الضربات أعاد مخاطر التصعيد إلى الواجهة، لكن بين القدرة على إنهاء الحرب والقدرة على التأثير في مسارها مساحة كبيرة، وهذه المساحة هي التي تتحرك فيها الدبلوماسية السعودية، فليس مطلوبًا من الرياض أن تفعل المستحيل، وإنما أن تفعل ما تستطيع، أن تمنع تمدد النار، أن تحمي أمن الخليج، أن تحافظ على قنوات الاتصال، أن تدعم الحلول السياسية، وأن تجعل فكرة التفاوض حاضرة حتى في أكثر اللحظات توترًا.
في السياسة الدولية، قد يكون الحفاظ على نافذة صغيرة للحوار في زمن الحرب إنجازًا أكبر من إطلاق مئات البيانات، لأن الحرب تبدأ غالبًا عندما تفشل لغة السياسة، لكنها تنتهي عندما تعود السياسة، ولهذا فإن الدور السعودي في هذه الأزمة لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية من يقف مع واشنطن أو من يقف مع طهران، وإنما من زاوية أكثر عمقًا، من يقف مع استقرار المنطقة، ومن يريد أن يمنع الخليج من التحول إلى ساحة مفتوحة لصراع القوى الكبرى؟ والرياض اختارت بوضوح أن تقف مع أمن المنطقة واستقرارها، وأن تستخدم وزنها السياسي في دفع الأطراف نحو الحل الممكن، لا الحل المثالي الذي قد لا يأتي، وأن تبحث عن التسوية التي توقف النزيف قبل أن يصبح النزيف أكبر من قدرة الجميع على احتماله، وفي هذا المعنى فإن فن التفاوض ليس أن تنتظر حتى يتعب الجميع، وإنما أن تعرف متى يكون التعب نفسه حافزًا للسلام، ومتى يمكن تحويل الخسائر إلى درس، والمواجهة إلى تفاهم، والعداء إلى قواعد جديدة تمنع تكرار الصراع.
المنطقة لا تحتاج اليوم إلى حرب جديدة تثبت من هو الأقوى، فقد أثبتت الحروب أنها تستطيع أن تجعل الجميع يدفع الثمن، ما تحتاجه هو عقل سياسي يعرف أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الصراع، وإنما في القدرة على إطفائه قبل أن يتحول إلى حريق إقليمي، وهنا تتقدم السعودية إلى مساحة مختلفة من العمل السياسي، مساحة الدولة التي لا تبحث عن دور في الحرب، وإنما عن دور في نهايتها، ولا تريد أن تكون جزءًا من الصراع، وإنما طرفًا فاعلًا في إنهائه، ففي الأزمات الكبرى قد تكون أعظم انتصارات الدبلوماسية تلك التي لا تُرى في صور القمم ولا تُكتب في البيانات، وإنما تظهر في صاروخ لم يُطلق، وسفينة لم تُستهدف، وممر بحري بقي مفتوحًا، وطاولة مفاوضات لم تُغلق أبوابها.
المعركة الحقيقية التي تخوضها السعودية اليوم هي أن تمنع الحرب من أن تتسع، وأن تدفع السياسة كي تستعيد دورها، وأن تجعل التفاوض طريقًا ممكنًا لإنهاء الصراع الأمريكي الإيراني قبل أن يصبح الصراع أكبر من قدرة المنطقة على احتماله، ففي النهاية، لا تستطيع القوة وحدها أن تصنع سلامًا، ولا تستطيع الدبلوماسية وحدها أن تمنع الحرب، لكن الدولة التي تعرف كيف تجمع بين الاثنين تستطيع أن تصنع مساحة للحل حين يبدو الحل مستحيلًا، وهنا تحديدًا يكمن الدور السعودي.