عمرو أبوالعطا
قلّما ارتبط اسم فيلسوف بخصومة سياسية كما ارتبط اسم فريدريش نيتشه باليمين المتطرف. تكفي عبارات مثل «إرادة القوة» و«الإنسان الأعلى» و«ما وراء الخير والشر» حتى تظهر صورة الزعيم الصارم، والجماعة المتفوقة، والإرادة التي تفرض نفسها على الآخرين.
من هنا شاع تقديم نيتشه باعتباره أحد آباء الفاشية أو ممهدًا للنازية أو مصدرًا فكريًا لبعض تيارات القومية البيضاء.
غير أن هذه الصورة تحتاج إلى مراجعة، لأن أعماله وسياقه التاريخي يقدمان مشهدًا أكثر تعقيدًا. كان شديد النفور من القومية الألمانية، ومن عبادة الدولة، ومن الامتثال الجماعي، وعارض معاداة السامية السياسية في حياته. وفي الوقت نفسه حمل فكره مواقف قاسية تجاه المساواة والديمقراطية والشفقة والجماهير، واشتمل على تصورات هرمية عن البشر والثقافة. لذلك فإن وضعه داخل خانة النازية يختزل فلسفته، كما أن تقديمه مفكرًا تقدميًا كاملًا يمحو جوانب التوتر داخل مشروعه.
وُلد نيتشه سنة 1844 في ألمانيا، في زمن كانت فيه الدولة القومية تزداد قوة، وكانت القومية الأوروبية تتخذ صورة أكثر صخبًا، وكانت النظريات العرقية تنتشر في الحياة الفكرية والسياسية. دخل هذا العالم من موقع الناقد. كان شديد الارتياب من الدولة الحديثة حين تتحول إلى قوة تصوغ المواطن وفق نموذج واحد، ومن القومية حين تجعل الانتماء معيارًا للحكم على الفكر، ومن الجماعة حين تطلب من الفرد التخلي عن استقلاله مقابل الشعور بالأمان. لذلك يصعب جمع فلسفته مع الفاشية التي جعلت الدولة والحزب والقائد والأمة مراكز للطاعة الجماعية.
مع ذلك، كان نيتشه بعيدًا عن الديمقراطية الليبرالية بمفهومها الحديث. انتقد المساواة حين رأى فيها نزوعًا إلى تسوية الفروق بين البشر، وهاجم الديمقراطية عندما تتحول إلى سيطرة العدد، وانتقد الاشتراكية باعتبارها امتدادًا لنزعة جماعية قد تضيق بالتميز الفردي. هذه المواقف تفتح مساحة للجدل حول نخبويته، لكنها لا تكفي لتحويله إلى منظّر فاشي. الفاشية تقوم على تعبئة الجماهير تحت سلطة مركزية، بينما كان نيتشه يرى في الجماهير خطرًا على الفرد. الزعيم الفاشي يحتاج إلى أتباع يطيعونه، أما الإنسان الذي تخيله نيتشه فيبحث عن استقلاله حتى في مواجهة الجماعة.
كان اعتراضه الأساسي موجّهًا إلى الامتثال. فالإنسان الذي يكرر ما يقوله الجميع، والمثقف الذي يتبنى لغة عصره دون اختبار، والفرد الذي يجعل الجماعة مصدرًا وحيدًا لقيمه، يمثلون عنده مشكلة تتصل بتكوين الذات. لذلك فإن «القطيع» عند نيتشه مفهوم نقدي يتعلق بآلية الامتثال أكثر من تعلقه بعرق أو شعب. حين استخدم اليمين المتطرف هذا المفهوم لاحقًا ضد الأقليات والمهاجرين وفئات اجتماعية مختلفة، تغيرت وظيفته. تحول نقد الجماعة إلى احتقار جماعات بعينها، وتحول سؤال الاستقلال الفردي إلى خطاب عن التفوق الجماعي.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المفهوم الفلسفي وصورته السياسية اللاحقة. «إرادة القوة» عند نيتشه أوسع من الرغبة في إخضاع الآخرين. إنها تشير إلى طاقة التكوين والتوسع والتأثير وإعادة تفسير العالم، ويمكن أن تظهر في الفن والعلم والانضباط وتكوين الشخصية كما تظهر في الصراع. وحين تختزل في الهيمنة السياسية تصبح فكرة مختلفة. وكذلك «الإنسان الأعلى» لا يمثل عرقًا أو سلالة أو منصبًا سياسيًا، بل صورة لإنسان يسعى إلى تجاوز قصوره، ويتحمل مسؤولية خلق قيمه، ويخرج من التبعية للقيم الموروثة. أما «ما وراء الخير والشر» فيشير إلى مساءلة الجذور التي تقوم عليها الأحكام الأخلاقية، لا إلى منح الأقوياء رخصة لفعل أي شيء.
وتظهر المسافة بين نيتشه واليمين المتطرف في موقفه من الدولة والجموع. كان يرى في الدولة الحديثة قوة قادرة على تشكيل الأفراد وإخضاعهم لنظام واحد، وكان شديد الشك في الحماس الوطني الذي يذيب الفرد في الجماعة. أما الفاشية فتعطي الدولة مكانة مركزية، وتربط الفرد بالأمة والحزب والقائد، وتستخدم الجماهير في التعبئة. لذلك يمكن أن تكون فلسفة نيتشه غير مساواتية ونخبوية، مع بقاء المسافة بينها وبين الفاشية واسعة. رفض الديمقراطية من موقع نخبوي لا يتحول تلقائيًا إلى فاشية، كما أن نقد المساواة لا يصبح عنصرية إلا عندما تضاف إليه فكرة تجعل الفروق الإنسانية ثابتة في الأصل.
هذه الإضافة قام بها كثير من القراء المتطرفين. أخذوا من نيتشه ما يخدم رؤيتهم وتركوا ما يناقضها. احتفظوا بلغة القوة وأهملوا نقد القومية، واستخدموا مفهوم الإنسان الأعلى وحولوه إلى نموذج عرقي، واستعملوا نقد القطيع وحولوه إلى احتقار للناس. قرأوا «ما وراء الخير والشر» كأنه دعوة إلى التحرر من كل مسؤولية أخلاقية، مع أن مشروع نيتشه يقوم على إعادة تقييم القيم وتحمل مسؤولية خلقها، لا على إلغاء كل قيمة.
لم يتوقف هذا التوظيف عند النازية. فقد عاد نيتشه إلى الخطاب المرتبط باليمين البديل والقومية البيضاء وبعض التيارات المعادية للديمقراطية. تجد هذه الاتجاهات في كتاباته ما يساعدها على تقديم نفسها باعتبارها متمردة على الليبرالية والمؤسسات والقيم السائدة. غير أن العلاقة تقوم غالبًا على الاستعمال الرمزي أكثر من القراءة الفلسفية المتأنية. يكفي أن يعلن شخص إعجابه بنيتشه حتى يكتسب موقفه هالة من العمق والتمرد. في فضاء الإنترنت تتحول أسماء الفلاسفة أحيانًا إلى شارات هوية، ويصبح الاقتباس وسيلة لإثبات الانتماء بدل أن يكون مدخلًا إلى التفكير.
مع ذلك، لا ينبغي إلقاء المسؤولية كاملة على القراء اللاحقين. فنيتشه اختار أسلوبًا يفتح بابًا واسعًا للتأويل، وكتب بعبارات استفزازية، وترك دفاتر ومشروعات غير مكتملة، ولم يقدم دائمًا تعريفات مدرسية لمفاهيمه. كما أن بعض مواقفه بشأن المساواة والنساء والضعفاء واليهود تثير اعتراضات حقيقية. لذلك فإن الدفاع عنه يحتاج إلى نقد داخلي لفلسفته، لا إلى تبرئة شاملة. يمكن رفض نخبويته، ومناقشة نظرته إلى المساواة، وانتقاد بعض عباراته، مع رفض الصورة النازية التي تختزله في منظّر للتفوق العرقي.
القراءة الجادة لنيتشه تحتاج إلى الجمع بين المستويين. هناك نيتشه الذي كتب النصوص، وهناك نيتشه الذي صنعه محررون وأتباع وحركات سياسية. وهناك فرق بين ما يمكن إثباته من أعماله المنشورة وبين الصورة التي تكونت لاحقًا حوله، كما يوجد فرق بين الفكرة التي تحتمل توظيفًا معينًا والفكرة التي تدعو صراحة إلى ذلك التوظيف. هذا الفرق ضروري لفهم تاريخ الأفكار، لأن المؤلف لا يتحكم دائمًا في حياة أفكاره بعد خروجها إلى العالم.
من هنا تأتي قيمته اليوم. إنه لا يقدم إجابات سياسية جاهزة بقدر ما يكشف كيف تتكون القيم، وكيف تعمل الرغبات، وكيف تتحول الأفكار إلى قوى داخل الإنسان والمجتمع. قراءته تحتاج إلى الحذر من تحويل المجاز إلى قانون، والنموذج الروحي إلى عرق، ونقد الجماعة إلى عبادة لجماعة جديدة. كما تحتاج إلى الانتباه إلى أن الفيلسوف نفسه يحمل تناقضات حقيقية، وأن الاعتراف بها جزء من القراءة.
في النهاية، لا يصح وضع نيتشه داخل القفص النازي، كما لا يصح تقديمه مفكرًا منزّهًا عن كل نزعة استعلائية. كان ناقدًا للقومية الألمانية، ومعارضًا لمعاداة السامية السياسية، وخصمًا لثقافة الامتثال، وشديد الارتياب من الدولة والجماهير. وفي الوقت نفسه كان ناقدًا للمساواة، ونخبويًا في جوانب من تفكيره، واستخدم لغة هرمية وقاسية تجاه فئات وأفكار متعددة. هذه الصورة المركبة أكثر صدقًا من صورة الفيلسوف الذي اختُصر في تهمة، أو الفيلسوف الذي جرى تحويله إلى قديس فكري.
القارئ المتأني هو الذي يستطيع أن يرى نيتشه في قوته وخطره معًا. قوته في قدرته على زعزعة الأفكار التي تبدو ثابتة، وخطره في أن لغته المكثفة تسمح بتحويل هذه الزعزعة إلى شعارات حين تقرأ على عجل. أما اليمين المتطرف فقد وجد فيه مادة قابلة للانتقاء، وأخذ منه صورة القوة والتفوق، ثم وضعها داخل مشروع جماعي يناقض في جوانب أساسية دعوته إلى استقلال الفرد.
لهذا يعود نيتشه في النهاية إلى المكان الذي يصعب على الدعاية أن تحتمله: أمام القارئ. لا يطلب منه أن يردد اسمه، وإنما يضعه أمام سؤال عن دوافعه وقيمه ورغبته في الانتماء. القارئ الذي يجعل من نيتشه عقيدة مغلقة يخالف روح الفلسفة التي يقرأها، والقارئ الذي يستعمله لإثبات تفوق جماعته يظل داخل القطيع الذي يزعم أنه خرج منه. أما القراءة الحقيقية فتترك النص مفتوحًا للسؤال والنقد والمراجعة، وتدرك أن الفلسفة تبدأ حين نتوقف عن استخدام الأفكار لتأكيد ما نريد، ونبدأ في السماح لها باختبار ما نعتقده عن أنفسنا والعالم.