مبارك بن عوض الدوسري
لم تعد المناسبات والأيام الدولية في عالم اليوم مجرد تواريخ تتكرر في أجندة المؤسسات والمنظمات، ولا ينبغي أن تكون في الحركة الكشفية مجرد عبارات تهنئة أو ملصقات تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي ثم تنتهي بانتهاء اليوم؛ بل يمكن أن تتحول، إذا أُحسن توظيفها، إلى فرص تربوية حقيقية للتعلّم والممارسة والخدمة وصناعة الأثر؛ وهنا تبدو أهمية ما طرحه الدكتور هاني عبدالوهاب، الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية، في حلقته من سلسلة «قطرة» حول علاقة المناسبات بالبرنامج الكشفي؛ فالفكرة ليست أن نبحث عن نشاط لكل مناسبة، وإنما أن نسأل أولاً: هل لهذه المناسبة قيمة تربوية يمكن أن تضيف شيئاً إلى الفتية والشباب؟ وهل يمكن أن تتحول إلى تجربة كشفية يعيشها، لا مجرد معلومة يسمعها؟؛ ومن هذا المنطلق، فإن شهر سبتمبر يحمل عدداً من المناسبات التي يمكن للحركة الكشفية أن تستثمرها بذكاء، خصوصاً تلك التي تتقاطع مع رسالتها في التربية، والخدمة المجتمعية، والسلام، وحماية البيئة، وتنمية المهارات، وتعزيز المواطنة العالمية. ففي اليوم الدولي للعمل الخيري يمكن أن تخرج الكشافة من مفهوم «التبرع» بمعناه الضيق إلى مفهوم أوسع هو العطاء والخدمة؛ فينفذ الفتية والشباب أعمالاً تطوعية لخدمة فئات تحتاج إلى الدعم، أو يطلقون مبادرات صغيرة يقودونها بأنفسهم، مع التركيز على أن العمل الخيري في الكشفية ليس فعلاً موسمياً، بل سلوك وقيمة ومسؤولية تجاه المجتمع؛ أما اليوم الدولي لمحو الأمية فيمكن أن يكون مدخلاً إلى مبادرات القراءة والتعليم من الأقران، أو إنشاء زوايا قراءة في الأحياء والمراكز المجتمعية، أو مساعدة البراعم والأشبال على اكتساب مهارات القراءة، أو تنظيم حملات للتعريف بأهمية التعلم مدى الحياة..
وهنا تتقاطع المناسبة بصورة مباشرة مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة: التعليم الجيد، وتتحول المناسبة من شعار إلى تجربة تربوية؛ وفي اليوم الدولي لنقاوة الهواء من أجل سماء زرقاء واليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون، تملك الكشافة مساحة واسعة للعمل البيئي؛ من حملات التوعية، إلى التشجير، وتقليل استخدام المواد الضارة، والعناية بالمناطق الطبيعية، وقياس بعض السلوكيات البيئية داخل المجموعات الكشفية، وصولاً إلى أن يتعلم الفتى أن حماية البيئة ليست درساً نظرياً، وإنما ممارسة يومية؛ وهذا ينسجم مع ما تتيحه الحركة الكشفية من مبادرات عالمية في مجال البيئة والعمل المناخي.
ويأتي اليوم العالمي لتنظيف البيئة ليمنح المجموعات الكشفية فرصة نموذجية لتطبيق شعار طالما ارتبط بالحركة: «اترك المكان أفضل مما وجدته»، ويمكن أن تتحول المناسبة إلى حملات تنظيف يقودها الفتية والشباب من المتقدم والجوالة، شريطة ألا تتوقف عند جمع المخلفات، بل تتجاوز ذلك إلى دراسة أسباب المشكلة، والتوعية بالسلوك الصحيح، والحد من النفايات، وفرزها وإعادة استخدامها، وربط النشاط بأهداف التنمية المستدامة، خصوصاً الهدف 11: مدن ومجتمعات محلية مستدامة، والهدف 12: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان، والهدف 13: العمل المناخي.
لكن إذا كان هناك يوم يستحق أن يكون موعداً كشفياً عالمياً بامتياز فهو اليوم الدولي للسلام في 21 سبتمبر؛ إذ لا تحتاج الكشافة إلى البحث عن فكرة جديدة لتحتفل به، فلديها واحدة من أكبر المبادرات العالمية التي تحمل السلام اسماً ورسالة: مبادرة رسل السلام ؛ فالسلام في الكشفية ليس خطاباً احتفالياً، وإنما سلوك يبدأ من قدرة الفتى على احترام الآخر، والاستماع إليه، وقبول الاختلاف، والعمل معه، ثم يمتد إلى خدمة المجتمع وبناء جسور التفاهم؛ وتؤكد المنظمة العالمية للحركة الكشفية أن «رسل السلام» تمكّن الشباب من قيادة أعمال ترتبط ببناء السلام والعمل الإنساني والتنوع والشمول والمشاركة المجتمعية والتنمية المستدامة.
ومن هنا يمكن أن يكون سبتمبر موعداً لإطلاق «أسبوع كشفي للسلام»، تتوزع خلاله الأنشطة بين حوارات شبابية، وأعمال خدمة مشتركة، وتبادل ثقافي بين مجموعات من دول مختلفة ويمكن ان يكون ذلك عبر الاتصال المرئي، ومبادرات للتقريب بين أفراد المجتمع، ورسائل رقمية ضد التنمر والكراهية، وقصص عن كشافة صنعوا فرقاً في مجتمعاتهم. فكل عمل صغير يفتح باباً للتفاهم يمكن أن يكون فعلاً من أفعال السلام؛ أما اليوم الدولي للغات الإشارة فيمكن أن يكون مناسبة جميلة لتعزيز مفهوم الشمول في الحركة الكشفية، من خلال تعريف الفتية بلغة الإشارة، وتعليمهم عبارات أساسية للتواصل، وتنظيم أنشطة مشتركة مع الأشخاص الصم، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في الأنشطة الكشفية بصورة كاملة؛ وهنا لا يتعلم الكشاف مهارة جديدة فحسب، وإنما يتعلم درساً أعمق في احترام الاختلاف وإزالة الحواجز.
وفي اليوم العالمي للسياحة يمكن للكشافة أن تقدم نموذجاً مختلفاً للسياحة؛ سياحة تحترم المكان والإنسان والتراث والبيئة؛ ويمكن للفتية إعداد مسارات تعريفية لمواقعهم الطبيعية والتاريخية، أو إنتاج أدلة سياحية رقمية، أو تنفيذ مبادرات للمحافظة على المواقع التراثية، أو تنظيم رحلات تعليمية يتعلمون خلالها كيف يكون السائح مسؤولاً عن المكان الذي يزوره، وهذا يلتقي كذلك مع مفهوم حماية التراث الذي تتيحه بعض برامج الحركة الكشفية العالمية؛ أما اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات فيمكن أن يكون مناسبة لتعليم الكشاف مهارات الوصول إلى المعلومات الموثوقة، والتحقق من الأخبار، والتمييز بين الحقيقة والشائعة، وحماية الخصوصية، والاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي؛ وهي مهارات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من إعداد الشاب للحياة في عصر المعرفة والذكاء الاصطناعي؛ وحتى اليوم الدولي للترجمة يمكن أن يصبح فرصة كشفية عالمية؛ فتتبادل المجموعات الكشفية قصصاً وتجارب ومبادرات بلغات مختلفة، ويترجم الشباب مواد قصيرة عن السلام أو البيئة أو العمل التطوعي، بما يعزز التواصل بين الكشافة في مختلف البلدان ويجعل التنوع اللغوي جسراً لا حاجزاً؛ وهنا تحديداً تظهر قوة الحركة الكشفية؛ فهي لا تحتاج إلى أن تجعل كل مناسبة «فعالية» مستقلة، ولا أن تثقل برنامجها بعشرات الأيام العالمية؛ فالبرنامج الكشفي الجيد لا يطارد المناسبات، وإنما يختار منها ما يخدم أهدافه التربوية، ثم يحولها إلى خبرة يعيشها الفتية والشباب؛ فاليوم العالمي للسلام يمكن أن يصبح مشروعاً في «رسل السلام»، واليوم البيئي يمكن أن يتحول إلى خدمة مجتمعية، ويوم محو الأمية إلى تجربة تعليمية، ويوم لغات الإشارة إلى درس في الشمول، ويوم السياحة إلى رحلة لاكتشاف التراث، ويوم المعلومات إلى مهارة في التفكير النقدي.
وهذا هو جوهر العلاقة بين المناسبات والبرنامج الكشفي: أن لا يكون السؤال «ماذا سننشر في هذا اليوم؟»، وإنما «ماذا سيتعلم فتيتنا وشبابنا؟ وماذا سيفعلون؟ ومن سيستفيد؟ وما الأثر الذي سيبقى بعد انتهاء المناسبة؟».
إن الحركة الكشفية العالمية تمتلك بالفعل أرضية قوية لهذا التوجه من خلال Scouts for SDGs، الذي يهدف إلى تمكين الشباب من الإسهام في أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، وتحويل التعلم إلى عمل مجتمعي حقيقي؛ وتؤكد المنظمة العالمية أن المنهج العملي للحركة الكشفية يهيئ الشباب ليكونوا مواطنين عالميين فاعلين ويسهموا في السلام والتنمية المستدامة؛ لذلك، ربما يكون من المفيد أن تنظر كل جمعية كشفية وطنية وكل مجموعة وكل قائد إلى قائمة المناسبات العالمية نظرة مختلفة: ليس المطلوب أن نفعلها كلها، بل أن نختار منها ما يستحق أن يعيش داخل البرنامج الكشفي؛ ثم نترك للفتية والشباب مساحة اكتشاف الفكرة، والتخطيط لها، وتنفيذها، وقياس أثرها، وتوثيق تجربتهم، ومشاركتها مع كشافة العالم؛ فالمناسبة التي تنتهي بانتهاء تاريخها قد تكون خبراً جميلاً، أما المناسبة التي تترك مهارة في يد شاب، أو قيمة في سلوكه، أو شجرة في أرض، أو ابتسامة على وجه إنسان، أو جسراً بين ثقافتين، أو خطوة نحو السلام، فهي عندئذ تصبح كشفية بكل معنى الكلمة.
وهكذا يمكن لشهر سبتمبر أن يكون أكثر من مجموعة من الأيام العالمية؛ يمكن أن يكون شهراً كشفياً للتعلم والخدمة والسلام والاستدامة، إذا عرفنا كيف نضع المناسبة في مكانها الصحيح داخل البرنامج، لا أن نضع البرنامج أسيراً للمناسبة.
فالكشافة لا تحتفل بالعالم فحسب... بل تعمل من أجل أن يكون العالم أفضل.