بدر بن عبدالمحسن المقحم
على أثر اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي أبرم بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة وجمهورية تركيا الشقيقة يوم الجمعة 24 صفر 1448هـ الموافق 7/8/2026م، ظهرت الكثير من المقالات والتحليلات حول هذا الموضوع اشتمل البعض منها على نظرة عميقة لسبر أغوار هذا الاتفاق ومعرفة دلالاته الإقليمية وأهدافه الاستراتيجية، بينما جاء البعض الآخر وفق جملة من السرديات الإعلامية التي راجت خلال توقيع هذا الاتفاق وما تلاه من أصداء إقليمية وعالمية، وبالنظر إلى واقع اليوم والمتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، كالصراع الأمريكي الصيني بصيغته السلمية القائمة على النفود وكسب الأسواق، وما واكب ذلك من غزو روسي لأوكرانيا بآثاره وانعكاساته الواسعة، والصدام المسلح بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على أرض الخليج والذي لا زالت وقائعه ماثلة للعيان، نجد أن المنطقة بحكم حيوية موقعها وإنتاجها ربع الطاقة العالمية من البترول ومخزونها الاحتياطي الهائل للنفط في اراضيها وتمتعها بثروات عديدة كالمملكة التي تحتل المرتبة الثانية عالميا في تلك الاحتياطات البترولية بعد فنزويلا، فإن تلك المتغيرات تحمل جملة من التحديات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والبيئة وهو ما يتطلب معه العمل على شحذ الهمم واجتراح الحلول العملية للخروج من هذا النفق المظلم بأقل الخسائر والتكاليف، فالمنطقة في الحقيقة تمر بمرحلة تحول له مساس بطبيعة النظام الدولي القائم والسعي الحثيث لبلورة نظام متعدد الأقطاب على أنقاض النظام الأحادي القطبية حيث بدأت إرهاصات ذلك من خلال المسارات السياسية والعسكرية لكل من الصين وروسيا واتخاذ كلا البلدين نهجا مخالف للنظام السائد وذلك على مستوى السياسات والإجراءات الخارجية، فالطرف الصيني يقوم بتحركاته العسكرية في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ وعينه على (تايوان) كما أنه ماضي في حربه السيبرانية والتجارية ضد واشنطن التي استفزته في كثير من المواقف والتصريحات، وتعمل بكين بتسارع مذهل لتنمية قواتها العسكرية التقليدية منها والنووية، أما الطرف الروسي فهو مصرّ على تحقيق أهدافه في أوكرانيا غير عابئ بالعقوبات الأمريكية والأوروبية عليه، مع سعيه الواضح على تطوير آلته العسكرية بمختلف أنواعها ومستوياتها، من جانب آخر نجد أن محاولات الدول الأوروبية على قدم وساق كي تبني قواها بنفسها وتعتمد على ذاتها في حمايمقدراتها خاصة بعد ما أقدمت واشنطن على شن حرب تجارية ضدها والإعلان الأمريكي في مناسبات عديده عن نيتها في رفع المظلة الامريكية في حماية حلفائها الأوروبيين وهو ما شكّل ضغطا سياسيا على حكومات الدول الغربية جراء ذلك.
إن المنطقة باعتبارها خزانا للطاقة وتمتلك العديد من الـثروات الطبيعية هي بالحقيقة مطمع لكل من يريد أحداث ميزان القوى لصالحه، وهنا مكمن الخطر والدافع الحقيقي الذي يجعل من الدول الكبرى الدخول في صراعات مع غيرها من الأطراف الإقليمية او الدولية لتحقيق الرغبة في الاستحواذ والسيطرة على مثل هذه العناصر المهمة في لعبة توازن القوى في الحلبة الدولية.
وعليه كان لزاما على دول اتفاق مكة الكبرى في المنطقة أن تتحرك كخطوة استباقية ولكي تسهم في هذه الهندسة الإقليمية الجديدة المرتبطة بصورة مباشرة بالتحولات العالمية، وبما يخدم مصالحها الاستراتيجية ويقي شعوبها من ويلات الحروب، على أن يكون هذا الاتفاق منطلق للتعاون أرحب في كافة المجالات وبالذات الاقتصادي منه كي تنعم شعوبه بالمزيد من التقدم والازدهار حيث إن قوة الشعوب تصب في خانة قوة الدولة فمتى ما توافرت لدى هذه الشعوب أسباب الحياة الكريمة وبالذات في مجالات الصحة والتعليم وفرص العمل كلما كان هذا داعما لنهضة المجتمع وبناء إنسانة البناء الصحيح وهو ما يضفي على قوة الدولة المزيد من الصلابة والمناعة والابتكار وحب المعرفة.
إن الأحداث الدائرة في منطقتنا تشي بوجود مخاض سيسفر عنه تغيرات إقليمية بالمقارنة مع الواقع القائم خاصة مع ملاحظة أمرين مهمين؛ الأول/ استمرار الصلف الصهيوني في قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية والسورية اللبنانية واندفاعه بسرعة ملفته لتحقيق ما يسمى (بمشروع إسرائيل الكبرى) حتى ولو كان هذا على حساب المصالح العربية ومستقبل شعوبها، والثاني/ إمعان حكومة طهران في زيادة التوترات في المنطقة وتصديرها المزيد من الاضطرابات والقلاقل لجيرانها عبر ميليشياتها المسلحة في أكثر من بلد عربية، وفي هذا السياق لابد من الإشارة وفي خضم ما تموج به المنطقة من تقلبات وحروب، إلى الخطوات التي خطتها السعودية برؤية 2030 من توسيع الشراكات الاستراتيجية مع العالم، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير المزيد من البنى التحتية، وبناء أسس قوية للصناعات الثقيلة المدني منه أو العسكري، والاستثمار في الإنسان السعودي على المستويين التعليمي الصحي بهدف نهضة المملكة ودخولها في مصاف الدول المتقدمة، وهو ما يمثل نموذجا يحتذى به في المنطقة ولأي دولة تسعى للاستقرار والنماء لشعبها، كما أن هذا النموذج السعودي من شأنه تعزيز اتفاق مكة وزيادة صلابة أطرافه الثلاثة، فالاعتماد على الذات بعد الله في المجال الأمني والعسكري والصناعي والغذائي بات هو البديل الأول بعدما تكشفت الأقنعة وتراجعت الالتزامات من أطراف دولية بشأن أمن المنطقة والحفاظ على استقرارها، لذا جاء اتفاق مكة ليحمل في جوهره تلك الدلالات والمعاني.