د.شريف بن محمد الأتربي
ينظر القانون إلى الإنسان بوصفه شخصًا طبيعيًا، وإلى بعض الكيانات التي أنشأها القانون بوصفها أشخاصًا اعتباريين. ولكل منهما حقوق والتزامات ومسؤوليات، وإن اختلفت طبيعة هذه المسؤولية وآليات ترتيبها.
فالشخص الطبيعي يكتسب شخصيته القانونية بذاته، ويتحمل مسؤولية أفعاله وفقًا لما يقرره النظام. أما الشخص الاعتباري، كالشركة أو المؤسسة أو الجمعية، فلا يملك جسدًا أو إرادة بشرية مستقلة؛ وإنما يمارس حقوقه ويلتزم بواجباته ويتصرف في العالم من خلال أشخاص طبيعيين يمثلونه، كالملاك أو المديرين أو الموظفين، بحسب طبيعة الكيان وصلاحيات كل منهم.
وهنا تظهر مسألة شديدة الأهمية: إذا كان الكيان لا يستطيع أن يتصرف إلا من خلال أشخاص، فأين تنتهي مسؤولية الشخص وتبدأ مسؤولية الكيان؟
القانون يضع لهذه العلاقة ضوابطه، ويميز بين التصرف الشخصي والتصرف الذي يتم باسم الكيان ولحسابه وضمن حدود الصلاحيات. لكن المجتمع لا ينتظر دائمًا هذا التفصيل القانوني؛ فهو يرى السلوك أولًا، ثم يربطه بالجهة التي يمثلها الشخص.
وهنا تبدأ فكرتنا التربوية.
لا يمر الإنسان في حياته بوصفه فردًا مستقلًا تمامًا، مهما بدا له ذلك. فاسمه، وسلوكه، وطريقة تعامله مع الآخرين، كثيرًا ما تصبح امتدادًا لأسرة ينتمي إليها، أو مدرسة تعلم فيها، أو مؤسسة يعمل ضمنها، أو وطن يحمل هويته.
ومن هنا تنشأ مسؤولية تتجاوز مجرد الالتزام الشخصي؛ مسؤولية أن يدرك الإنسان أن حضوره في المجتمع لا يعكس ذاته وحدها، بل قد يعكس صورة كيان كامل يقف خلفه.
هناك كيانات أكبر من الأفراد الذين ينتمون إليها، وأبقى من حضورهم العابر فيها.
الشركة كيان، والمدرسة كيان، والجامعة كيان، والمؤسسة كيان. وحتى الأسرة، وإن كان توصيفها القانوني مختلفًا، هي كيان اجتماعي له هويته وقيمه وصورته في المجتمع.
واستخدم هنا مفهوم «الكيان» بمعناه التربوي والاجتماعي الأوسع، لا بمعناه القانوني الضيق للشخصية الاعتبارية.
لكن ثمة حقيقة تجمع هذه الكيانات كلها: الكيان لا يتحدث بنفسه، ولا يتحرك بنفسه، ولا يدافع عن صورته بنفسه؛ وإنما يفعل ذلك من خلال الأشخاص الذين يمثلونه.
وهنا تبدأ مسؤولية لا تتعلق بالقانون وحده، وإنما بالتربية أيضًا.
فحين يخطئ شخص داخل مؤسسة، قد لا يتوقف أثر الخطأ عنده؛ لأن الآخرين قد يرون في سلوكه انعكاسًا للمؤسسة التي يمثلها. وحين يسيء طالب التصرف، فقد لا يُنظر إلى الأمر باعتباره خطأ فرديًا فقط؛ فهو في لحظة معينة يمثل أسرته ومدرسته، وقد يمثل لاحقًا مهنته ومجتمعه ووطنه.
المشكلة إذن ليست في أن الإنسان يمثل كيانًا؛ فهو يفعل ذلك طوال حياته، وإنما في أننا لا نربيه دائمًا على معنى هذا التمثيل.
حين تتسع «أنا» إلى «نحن»..
التربية الحديثة نجحت كثيرًا في ترسيخ مفهوم «أنا».
كن متميزًا، حقق طموحك، ثق بنفسك، أبدع، اصنع مستقبلك.
وكل ذلك مهم.
لكن ماذا عن «نحن»؟
ماذا يعني أن يكون الإنسان عضوًا في جماعة؟ وماذا يعني أن يصبح سلوكه جزءًا من صورة المكان الذي ينتمي إليه؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن أسئلة التفوق والنجاح.
فالطالب حين يدخل المدرسة لا يدخلها بصفته فردًا معزولًا، وإنما يدخل مجتمعًا صغيرًا له قواعده، وقيمه، وحقوقه، ومسؤولياته. وحين يرتدي الزي المدرسي، فإنه يحمل معه هوية المدرسة، وحين يتصرف خارجها لا يستطيع دائمًا أن يفصل صورته الشخصية عن المؤسسة التي ينتمي إليها.
فالانتماء الحقيقي ليس شعورًا نعلنه، بل سلوكًا نمارسه.
ومن هنا يصبح الانتماء مسؤولية يومية، لا شعارًا عامًا.
المدرسة.. أول مكان يتعلم فيه الإنسان معنى التمثيل..
المدرسة هي المكان الذي يبدأ فيه الطفل الانتقال من عالم الأسرة إلى عالم المؤسسات والمجتمع.
وهنا لا ينبغي أن يتعلم النظام باعتباره مجموعة أوامر يجب تنفيذها خوفًا من العقوبة، وإنما باعتباره جزءًا من الحياة المشتركة.
حين يحافظ الطالب على ممتلكات المدرسة، فهو لا يحافظ على أثاث لا يملكه، بل يحافظ على المكان الذي ينتمي إليه.
وحين يحترم زميله، فإنه يسهم في بناء البيئة التي يعيش ويتعلم فيها.
وحين يلتزم بالنظام، فهو لا يطيع سلطة المدرسة فحسب، بل يتدرب على ممارسة المسؤولية داخل مجتمع صغير سيكون نموذجًا للمجتمع الأكبر.
ولا تقف هذه الفكرة عند حدود الوعظ التربوي؛ فالأدبيات التعليمية الدولية تشير إلى أهمية الشعور بالانتماء والمناخ المدرسي الإيجابي في دعم تعلم الطلاب ومشاركتهم وسلوكهم. كما أظهرت نتائج PISA ارتباط الشعور بالانتماء إلى المدرسة بعدد من المخرجات التعليمية الإيجابية في كثير من الأنظمة التعليمية المشاركة.
إذن نحن لا نتحدث عن قيمة أخلاقية جميلة فحسب، بل عن عنصر يرتبط بجودة البيئة التعليمية نفسها.
المعلم يمثل أكثر من نفسه
وإذا كان الطالب مطالبًا بأن يدرك أنه يمثل مدرسته، فإن المعلم أولى بذلك.
فالمعلم حين يدخل الفصل لا يمثل شخصه فقط، وإنما يمثل مهنة التعليم والمؤسسة التي يعمل فيها.
والطالب لا يقرأ فلسفة التعليم من الوثائق الرسمية، بل يقرأها من الأشخاص الذين يلتقيهم.
إذا تحدثنا عن الاحترام ثم رأى الطالب معلمه يمارسه، صدق الرسالة. وإذا تحدثنا عن العدالة ثم وجدها في تعامل المعلم، فهم معناها. وإذا تحدثنا عن المسؤولية ثم رأى المدرسة تمارسها أمامه، أصبحت المسؤولية سلوكًا لا شعارًا.
وإذا كان الطالب يتعلم من المعلم كيف يمثل المدرسة، فإن المعلم يتعلم من المؤسسة كيف يمثل المهنة.
وهنا تصبح المسؤولية متبادلة.
فالمؤسسة لا تستطيع أن تطالب أفرادها بتمثيلها بصورة جيدة إذا لم تكن هي نفسها جديرة بأن يمثلها هؤلاء الأفراد. والمؤسسة لا تُعرّف نفسها فقط بما تقوله عن ذاتها، وإنما بما يراه الآخرون في سلوك ممثليها.
التربية على التمثيل..
ربما آن الأوان لأن يصبح مفهوم «التمثيل» جزءًا من التربية اليومية، لا مادة إضافية في جدول الحصص.
يجب أن يتعلم الطالب أن السؤال قبل التصرف ليس فقط:
ماذا سيحدث لي؟
بل أيضًا:
ماذا سيحدث للكيان الذي أمثله؟
هذه النقلة تبدو بسيطة، لكنها عميقة.
فالطالب الذي يخاف العقوبة قد يلتزم عندما تكون عين المعلم عليه، أما الطالب الذي يشعر بالمسؤولية تجاه مدرسته، فقد يلتزم حتى عندما لا يراه أحد.
وهنا تتحول التربية من صناعة طالب منضبط إلى صناعة طالب مسؤول.
وهذا يتقاطع مع مفهوم «وكالة الطالب» في الأدبيات التعليمية الحديثة، الذي ينظر إلى الطالب بوصفه قادرًا على اتخاذ القرار، والتصرف بوعي، وتحمل مسؤولية أثر أفعاله في محيطه.
فالتربية المدنية لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطالب حقوقه وواجباته نظريًا، وإنما تمنحه فرصًا حقيقية للمشاركة وتحمل المسؤولية والتعلم من نتائج اختياراته.
وهنا يمكن أن تبدأ «التربية على التمثيل».
أن يتعلم الطالب أن عضويته في المدرسة ليست بطاقة تعريف، وأن ارتداءه زيها ليس مجرد التزام شكلي، وأن مشاركته في مناسبة خارجها لا تعني أنه يحمل اسمه فقط.
بل يعني أنه في كل هذه المواقف يمثل شيئًا أكبر منه.
صورة الكيان تبدأ من أفراده
المؤسسة الناجحة ليست التي تضع لوائح كثيرة، وإنما التي تجعل أفرادها يشعرون أنهم جزء من كيان يستحق أن يحافظوا على صورته.
ولهذا ينبغي أن يشعر الطالب بأن المدرسة ليست مكانًا يأتي إليه صباحًا ثم يغادره، وإنما مجتمع صغير له دور فيه.
حين يشارك الطالب في تحسين بيئة مدرسته، أو يتولى مسؤولية حقيقية، أو يسهم في حل مشكلة تخص زملاءه، فإنه لا يتعلم «النشاط» فقط؛ بل يتعلم معنى أن يكون عضوًا مؤثرًا في كيان.
وهذا هو جوهر التربية التي نحتاجها: أن ينتقل الطالب من السؤال:
«ماذا أريد؟»
إلى السؤال:
«ما مسؤوليتي؟»
فالمواطن المسؤول لا يظهر فجأة عند بوابة الجامعة أو في أول يوم عمل؛ وإنما يبدأ تكوينه من تلك المواقف الصغيرة التي يتعلم فيها الطفل أن أفعاله ليست شأنًا خاصًا به دائمًا.
في النهاية
الشخصية الاعتبارية في القانون فكرة محددة، لكن آثارها التربوية أوسع بكثير.
فالكيانات التي ننتمي إليها لا تستطيع أن تقدم نفسها للمجتمع إلا من خلالنا.
نحن وجوه أسرنا، وممثلون لمدارسنا ومهننا ومؤسساتنا، وفي مراحل لاحقة من حياتنا نصبح جزءًا من صورة مجتمعنا ووطننا.
ولهذا فإن بناء المؤسسات لا يبدأ فقط بالأنظمة والهياكل واللوائح.
إنه يبدأ بالإنسان الذي يمثلها.
والتعليم الذي يريد أن يبني جيلًا مسؤولًا لا ينبغي أن يكتفي بتعليم الطالب كيف ينجح لنفسه، بل عليه أن يعلمه كيف يجعل الكيان الذي ينتمي إليه أفضل بسبب وجوده.
فالتربية الحقيقية لا تعلم الإنسان فقط كيف يحافظ على صورته أمام الآخرين، بل كيف يصبح جديرًا بأن يمثل من ينتمي إليهم.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى مع كل طالب، قبل أن نطالبه بالانضباط أو الالتزام:
«هل سلوكي الآن يمثلني وحدي، أم يمثل الكيان الذي أنتمي إليه؟»
إذا عرف الطالب الإجابة، بدأنا بالفعل في بناء إنسان لا يعرف حقوقه فقط، بل يعرف مسؤوليته؛ إنسانًا يدرك أن اسمه قد يكون صغيرًا، لكنه في كثير من المواقف يحمل خلفه اسم أسرة، ومدرسة، ومهنة، ومؤسسة، ووطن.