سعدون مطلق السوارج
ليست كل المؤتمرات التقنية متشابهة، ولا كل الاستثمارات التي تحمل عنوان الذكاء الاصطناعي تعني بالضرورة تحولًا في بنية الاقتصاد. لكن الرياض، في النسخة الخامسة من مؤتمر LEAP 2026، لم تكن تستضيف معرضًا لما قد يأتي؛ بل كانت تعرض أمام العالم ملامح ما بدأت المملكة في بنائه بالفعل.
فالمؤتمر، الذي انطلق في الرياض تحت شعار «إلى عوالم جديدة»، شهد الإعلان عن إطلاقات واستثمارات وشراكات تتجاوز 15 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، في مشهد يؤكد أن المملكة لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعًا تقنيًا هامشيًا، وإنما كأحد المكونات الجديدة لقوتها الاقتصادية وموقعها في الاقتصاد العالمي.
وتزداد دلالة المشهد حين اجتمعت في LEAP 2026 أكثر من ألف شخصية متحدثة، ونحو 1900 مستثمر، و1800 علامة تقنية عالمية، و600 شركة ناشئة، ضمن منظومة واسعة تتقاطع فيها التقنية مع الاستثمار وريادة الأعمال والبنية التحتية والمواهب..
.. ولذلك فإن الرقم المالي الذي أُعلن في المؤتمر لا ينبغي قراءته منفصلًا عن هذه المنظومة؛ فالحدث نفسه أصبح منصة تلتقي فيها رؤوس الأموال والتقنيات والأسواق والكفاءات في نقطة واحدة.
لكن القيمة الحقيقية لـLEAP 2026 لا تكمن في حجم الحضور وحده، ولا في مجموع الصفقات والإعلانات؛ وإنما فيما تكشفه هذه الأرقام عن طبيعة التحول السعودي.
فالمملكة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تطبيقًا جديدًا يضاف إلى اقتصاد قائم، وإنما تتجه إلى بناء منظومة تبدأ من مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، وتمتد إلى البنية السحابية والنماذج الذكية والتطبيقات، وتستند إلى الشبكات والمواهب والاستثمار والشراكات الدولية. وهذا هو الفارق بين اقتصاد يستهلك الذكاء الاصطناعي، واقتصاد يعمل على امتلاك جزء متقدم من بنيته الإنتاجية.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الرؤية التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
فالدعم الذي تتلقاه التقنية في المملكة لم يعد دعمًا لقطاع منفرد، بل أصبح جزءًا من إعادة صياغة موقع الاقتصاد السعودي في المرحلة المقبلة. وقد أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله بن عامر السواحه، في افتتاح LEAP 2026، أن الإطلاقات والاستثمارات التي تجاوزت 15 مليار دولار جاءت بفضل دعم وتمكين سمو ولي العهد، مؤكدًا مضي المملكة نحو قيادة عصر الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع كبرى الشركات والمبتكرين والمستثمرين حول العالم.
ومن هنا تأتي أهمية HUMAIN؛ فإطلاقها في مايو 2025 لم يكن إضافة شركة تقنية جديدة إلى المشهد، بل خطوة لبناء منظومة تمتد عبر سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي. فقد أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ويرأس مجلس إدارتها، لتعمل على بناء مراكز البيانات، والبنية التحتية السحابية، والنماذج، والتطبيقات، بما في ذلك النموذج اللغوي العربي «علّام».
وهنا تتحول الفكرة إلى بنية قابلة للقياس.
فشراكة HUMAIN مع NVIDIA تستهدف بناء «مصانع للذكاء الاصطناعي» في المملكة بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط خلال خمس سنوات، مدعومة بمئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات المتقدمة، فيما تتضمن المرحلة الأولى حاسوبًا فائقًا يضم 18 ألف وحدة GB300 Grace Blackwell. وفي LEAP 2026 أعلنت AMD وCisco وHUMAIN أن قدرات حوسبة للذكاء الاصطناعي أصبحت تعمل بالفعل في المملكة، مع خطة للمرحلة التالية تصل إلى 250 ميغاواط، واستهداف نشر ما يصل إلى 1 غيغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بحلول 2030.
كما أعلنت AWS أن منطقة البنية السحابية الأولى لها في المملكة تمضي نحو الإطلاق في ديسمبر 2026، مع تعاونها مع HUMAIN لتوفير ما يصل إلى 50 ميغاواط في أول منطقة للذكاء الاصطناعي في المملكة بحلول 2028، إلى جانب إتاحة نموذج «علّام» عبر Amazon Bedrock.
وهنا بالضبط يمكن فهم ما وراء مشهد LEAP 2026.
فالذكاء الاصطناعي الذي تبني المملكة بنيته اليوم لم يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يأتي فوق مسار رقمي راكمته الدولة خلال السنوات الماضية. ولذلك فإن بعض الأمثلة التي قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الذكاء الاصطناعي تكشف، عند قراءتها ضمن هذا السياق، عن عنصر أساسي في القوة الجديدة: القدرة على إدارة البيانات والخدمات وربطها على نطاق وطني واسع.
في منظومة الحج والعمرة مثلًا، أصبحت المنصة الإلكترونية تضم أكثر من 500 خدمة رقمية، وترتبط بأكثر من 80 جهة حكومية وتشغيلية وبأكثر من 5 آلاف مقدم خدمة، بما يتيح جمع المعلومات وتحديثها وربطها بمراحل تقديم الخدمة. وفي المجال المالي، تجاوزت مبالغ الزكاة الواردة عبر منصة «زكاتي» مليار ريال منذ إطلاقها، فيما تتيح المنصة حساب الزكاة للنقد والذهب والفضة والأسهم والصناديق الاستثمارية والعقارات، مع تكاملات رقمية مرتبطة بالأسعار والبيانات المالية.
ليست هذه الأمثلة هي موضوع LEAP 2026، ولا ينبغي أن تصبح كذلك؛ إنما قيمتها أنها تفسر كيف وصلت المملكة إلى اللحظة التي تعرضها الرياض اليوم. فالذكاء الاصطناعي لا يولد في فراغ، ولا تستطيع دولة أن تنتقل فجأة إلى اقتصاد قائم على النماذج والحوسبة والبيانات من دون أن تكون قد راكمت قبل ذلك بنية رقمية ومؤسسية قادرة على التعامل مع البيانات والخدمات على نطاق واسع.
وهنا تصبح LEAP 2026 حلقة في سلسلة، لا حدثًا منفصلًا عنها.
فالانتقال من رقمنة الخدمة إلى استخدام البيانات، ومن استخدام البيانات إلى بناء البنية الحاسوبية، ومن البنية الحاسوبية إلى تطوير النماذج والتطبيقات، هو في جوهره انتقال من استهلاك التقنية إلى إنتاج القدرة التقنية.
وهذه هي النقلة الأعمق في التجربة السعودية.
فوجود NVIDIA وAMD وCisco وAWS وغيرها من كبرى شركات التقنية العالمية في المشهد السعودي لا يعني فقط أن هذه الشركات ترى في المملكة سوقًا واعدة؛ بل يكشف أن الرياض أصبحت طرفًا في بناء البنية التي سيقوم عليها جزء من الاقتصاد العالمي المقبل. وفي الوقت نفسه، فإن شراكات LEAP 2026 لا تقف عند الأجهزة ومراكز البيانات، بل تمتد إلى تطوير المواهب والبرمجيات والتطبيقات والقدرات المحلية. وقد شهد المؤتمر كذلك إطلاق منظومة مفتوحة للمطورين تجمع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وAMD ومنظمة التعاون الرقمي، بهدف تنمية مهارات المطورين وربط المواهب والشركات الناشئة بموارد الذكاء الاصطناعي.
وهنا تظهر فلسفة مختلفة في بناء القوة الاقتصادية: ليس المطلوب أن تمتلك المملكة مراكز بيانات ضخمة فقط، وإنما أن تمتلك الإنسان الذي يستخدمها، والنموذج الذي تطوره، والتطبيق الذي تحوله إلى قيمة اقتصادية.
ولهذا فإن LEAP 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤتمرًا تقنيًا عابرًا، مهما بلغ حجم إعلاناته.
إنه مرآة لمسار اقتصادي أوسع تتشكل فيه ملامح المملكة الجديدة: اقتصاد أكثر تنوعًا، وبنية رقمية أكثر عمقًا، واستثمارات تتجه إلى القطاعات التي ستحدد قيمة الاقتصادات في العقود المقبلة.
والتاريخ الاقتصادي لا يقيس التحولات الكبرى بحجم الأموال التي أُنفقت في لحظتها فقط، وإنما بما تتركه تلك الأموال من قدرات باقية تغيّر موقع الدولة في ميزان الاقتصاد والقوة.
ومن هذه الزاوية، فإن أكثر من 15 مليار دولار التي حملتها النسخة الخامسة من LEAP ليست القصة كلها؛ القصة الحقيقية هي ما وراء الرقم: مراكز بيانات، وحوسبة متقدمة، وسحابة، ونماذج ذكاء اصطناعي، وشراكات عالمية، ومواهب، واستثمارات، وشركات وطنية تعمل على بناء منظومة متكاملة.
وإذا اكتمل هذا المسار كما تخطط له المملكة، فإن أثره لن يبقى محصورًا في قطاع التقنية، بل سيمتد إلى الصناعة والطاقة والنقل والصحة والخدمات والاقتصاد المالي وسلاسل الإمداد، ليصبح الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة تضاف إلى البنية الاقتصادية للمملكة.
لقد كان النفط أحد أعظم مصادر القوة الاقتصادية للمملكة خلال القرن العشرين، لكن المملكة لا تنتظر القرن الحادي والعشرين ليمنحها مصادر قوة جديدة؛ إنها تعمل على صناعتها.
ومن الرياض، لا يبدو أن المملكة تكتفي بانتظار «العوالم الجديدة» التي حملها شعار LEAP 2026؛ بل تعمل على أن تكون شريكًا في صناعتها، وصاحبة قدرة على امتلاك أدواتها، وموقعًا عالميًا تتقاطع فيه التكنولوجيا ورأس المال والطموح.
فالتاريخ لا يخلّد الدول التي أنفقت أكثر، وإنما الدول التي عرفت متى تغيّر طبيعة قوتها، وكيف تحوّل الاستثمار إلى قدرة، والقدرة إلى نفوذ، والنفوذ إلى مستقبل.
وهذا، في جوهره، هو المعنى الأعمق الذي خرجت به الرياض من النسخة الخامسة من LEAP 2026.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي