حذامي محجوب
ليست الثروة وحدها ما يصنع قوة الدول، وإنما قدرتها على تحويل الثروة إلى خيارات. وليس الموقع الجغرافي وحده ما يمنح الدولة نفوذا، وإنما قدرتها على تحويل موقعها إلى حركة ومصالح وشبكات.
وحتى التكنولوجيا لا تمنح القوة لمن يستهلكها، بل لمن يستطيع إنتاجها وتوطينها وتوظيفها في بناء اقتصاد أكثر استقلالًا وقدرة على المنافسة.
من هذه الزاوية تحديدا، ينبغي النظر إلى المملكة العربية السعودية اليوم. فما يجري في داخلها يتجاوز بكثير مفهوم «تنويع الاقتصاد» بالمعنى التقليدي.
السعودية لا تحاول فقط الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد متعدد القطاعات، وإنما تعمل على تنويع مصادر القوة نفسها، وبناء منظومة تتداخل فيها الطاقة ورأس المال والجغرافيا والصناعة والتكنولوجيا واللوجستيات والمعرفة والذكاء الاصطناعي والدبلوماسية لتنتج قوة واحدة أكثر تركيبًا واتساعا.
وهذا التحول الكبير، إذا اكتمل، سيكون أهم من أي رقم اقتصادي منفرد.
فالدول لا تصبح مؤثرة لأنها تمتلك موردا نادرا، وإنما لأنها تعرف كيف تستخدم مواردها لصناعة المستقبل.
امتلكت السعودية لعقود واحدًا من أهم الموارد الاستراتيجية في العالم، لكنها تتعامل معه اليوم بمنطق مختلف.
النفط لم يعد بالنسبة إليها نهاية القصة، بل أصبح أحد مصادر القوة التي يمكن توظيفها لتمويل وبناء مصادر أخرى.
وهنا يكمن الفرق بين اقتصاد يحاول التكيف مع المستقبل، ودولة تريد أن تكون شريكًا في صناعته.
رؤية السعودية 2030، من هذه الزاوية، ليست مجرد برنامج اقتصادي ينتهي عند موعد محدد، بل مشروع لإعادة تركيب عناصر القوة السعودية.
فعندما تُستثمر الثروات والإيرادات في الصناعة والتكنولوجيا والسياحة والنقل واللوجستيات والطاقات المتجددة والبنية الرقمية والتعليم والبحث والابتكار، فإن الدولة لا تضيف قطاعات جديدة إلى اقتصادها فحسب، بل تضيف طبقات جديدة إلى قدرتها على الحركة والتأثير.
وهذا هو التحول الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده.
فصندوق الاستثمارات العامة السعودي، مثلا، لم يعد مجرد صندوق يبحث عن أفضل العوائد المالية، بل أصبح أحد المحركات الأساسية للتحول الاقتصادي، وأداة لبناء قطاعات جديدة واستقطاب التكنولوجيا وتكوين الشراكات العالمية ودفع الشركات السعودية إلى المنافسة خارج الحدود.
لكن الأهم من حجم الصندوق هو الاتجاه الذي يسلكه.
فالمرحلة المقبلة لا تقوم فقط على ضخ المزيد من الاستثمارات، وإنما على تعظيم القيمة، وبناء منظومات اقتصادية تنافسية، وخلق مساحة أكبر أمام القطاع الخاص.
أي أن رأس المال السعودي لا يُستخدم فقط لشراء الأصول، وإنما لبناء القدرات.
وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية.
فالدولة التي تملك المال تستطيع أن تستثمر، أما الدولة التي تعرف كيف تستخدم المال لبناء صناعات جديدة، وتوطين التكنولوجيا، وإنتاج المعرفة، واستقطاب المواهب، وإنشاء شركات قادرة على المنافسة عالميًا، فإنها تحول رأس المال إلى أداة من أدوات القوة الوطنية.
ومن هنا يصبح السؤال «ماذا سيحل محل النفط؟»، أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقا: ماذا تستطيع السعودية أن تبني باستخدام القوة التي منحها لها النفط؟.
والإجابة بدأت تظهر في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
في الذكاء الاصطناعي، مثلًا، لا تبدو السعودية راغبة في أن تكون مجرد سوق متقدمة للتكنولوجيا.
الطموح يتجه نحو بناء بنية تحتية للحوسبة ومراكز البيانات والسحابة، واستقطاب الشركات العالمية، وتطوير النماذج والتطبيقات، وتكوين منظومة متكاملة تجعل المملكة لاعبًا في الاقتصاد الرقمي نفسه.
وهنا تتقاطع عناصر القوة السعودية بصورة لافتة. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاقة هائلة، ورأس مال كبير، وأراضٍ، وبنية تحتية، واتصالات، ومراكز بيانات، ومواهب، وأسواق.
والسعودية تملك، وتستطيع أن تبني، معظم هذه العناصر داخل منظومة واحدة.
لذلك فإن دخول المملكة إلى الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره بحثًا عن قطاع اقتصادي جديد فقط، بل باعتباره استثمارا في إحدى أهم البنى الاستراتيجية للاقتصاد العالمي المقبل.
فمن يملك البيانات والحوسبة والطاقة والقدرة على تمويل البنية التحتية الرقمية، لن يكون مجرد مستخدم للثورة التكنولوجية، بل سيكون في موقع أفضل للتأثير في مسارها.
وهنا تعود الطاقة إلى قلب المعادلة.
فالحديث عن «ما بعد النفط» يفترض أحيانًا أن المستقبل يعني التخلص من مصادر الطاقة التقليدية. لكن الواقع أكثر تعقيدا.
العالم الذي يتجه بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي والرقمنة والصناعة المتقدمة سيحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة.
وبالتالي فإن الميزة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الطاقة وحدها، وإنما في القدرة على تحويلها إلى ميزة صناعية ورقمية واستثمارية.
وهذا ما يمكن أن يجعل السعودية لاعبًا مهمًا في الاقتصاد العالمي الجديد: ليس لأنها دولة نفطية فحسب، بل لأنها قادرة على الجمع بين الطاقة ورأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية.
ثم تأتي الجغرافيا.
لطالما اعتُبر الموقع الجغرافي حقيقة ثابتة، لكن السعودية تعمل على تحويله إلى قوة متحركة.
فالموقع بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا لا يصبح قيمة استراتيجية تلقائيًا. قيمته تتحدد بقدرة الدولة على تحويله إلى موانئ ومطارات ومناطق لوجستية وشبكات نقل ومراكز توزيع وخدمات بحرية.
كلما عبرت البضائع والاستثمارات والأشخاص عبر هذه الشبكات، تحولت الجغرافيا من مجرد موقع على الخريطة إلى مركز في الاقتصاد العالمي.
وهذا بالضبط ما تسعى إليه السعودية.
هي لا تريد فقط أن تكون دولة تقع في قلب طرق التجارة، وإنما تريد أن تكون إحدى الدول التي تمر عبرها هذه الطرق، وتستفيد منها، وتشارك في إعادة تشكيل حركة التجارة والاستثمار في المنطقة.
وهكذا تدخل الجغرافيا نفسها في عملية إنتاج القوة.
وتأتي الصناعة لتكمل المعادلة.
فلا يمكن لدولة أن تتحدث طويلًا عن الاستقلال الاقتصادي وهي تعتمد على الخارج في قطاعات حيوية وسلاسل إمداد أساسية.
لذلك فإن توطين الصناعة، وبناء سلاسل إمداد محلية، وتطوير الصناعات المتقدمة، وزيادة القدرة التصديرية، ليست مجرد أهداف اقتصادية.
إنها عملية لبناء قدرة وطنية على إنتاج ما تحتاج إليه الدولة، وتقليل هشاشتها أمام الاضطرابات والأزمات العالمية.
وفي عالم أصبح فيه الأمن الاقتصادي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني، تصبح هذه القدرة ذات قيمة استراتيجية لا تقل عن قيمة أي مورد آخر.
لكن ربما يكون العنصر الأكثر أهمية في التجربة السعودية هو أن هذه القدرات لا تُبنى منفصلة عن بعضها.
وهنا تحديدًا تكمن قوة المشروع.
رأس المال يمول التكنولوجيا.
والطاقة تغذي الصناعة ومراكز البيانات.
والجغرافيا تدعم اللوجستيات.
واللوجستيات تخدم الصناعة والتجارة.
والصناعة تخلق سلاسل الإمداد.
والتكنولوجيا ترفع الإنتاجية.
والسياحة والثقافة والرياضة تعزز جاذبية المملكة.
والدبلوماسية تفتح الأسواق والشراكات.
كل عنصر من هذه العناصر يضيف ويغذي الآخر.
وعندما تتكامل هذه العناصر، لا يعود مصطلح «التنويع الاقتصادي» كافيًا لوصف ما يجري.
نحن أمام عملية أوسع لبناء «قوة مركبة» تستطيع التحرك في أكثر من اتجاه، ولا تعتمد على مصدر واحد للثروة أو النفوذ.
ومن هنا أيضًا ينبغي فهم السياسة الخارجية السعودية من زاوية مختلفة.
فالقوة الدبلوماسية الحديثة لا تقوم فقط على امتلاك الحلفاء، وإنما على امتلاك الخيارات.
والدولة التي تستطيع بناء علاقات اقتصادية واستثمارية وتقنية واسعة مع قوى وأسواق متعددة، وربط مصالحها بشبكات مختلفة، تصبح أقل تعرضًا للارتهان لخيار واحد.
هذه ليست رفاهية دبلوماسية، بل استراتيجية قوة.
وكلما اتسعت شبكة المصالح السعودية، اتسعت معها قدرة المملكة على التأثير والتفاوض والمبادرة.
فالدبلوماسية الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة التي تختار طرفًا وتغلق الأبواب أمام الآخرين، وإنما التي تجعل أكبر عدد ممكن من الأطراف يرى مصلحته في العلاقة معها.
وهنا تتاح للسعودية فرصة نادرة : أن تتحول من دولة ذات وزن كبير إلى دولة تملك قدرة أكبر على صناعة الوزن.
والفارق بين الاثنين كبير.
فالوزن قد يأتي من الثروة أو الموقع أو التاريخ، لكن صناعة الوزن تحتاج إلى مؤسسات واستثمارات وتكنولوجيا وصناعة وشبكات عالمية ومواهب وقرار سياسي قادر على التفكير أبعد من دورة الأخبار اليومية.
ومن هنا فإن الرهان السعودي الحقيقي ليس على عام 2030 بحد ذاته.
2030 ليست خط النهاية.
إنها أقرب إلى نقطة انتقال نحو سؤال أكبر : ماذا تستطيع السعودية أن تفعل بعد أن تتراكم كلّ هذه القدرات؟.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة والعالم.
لأن السعودية التي تُبنى اليوم ليست السعودية التي عرفها العالم خلال العقود الماضية.
إنها ليست دولة تعتمد على مورد واحد لتأمين ثقلها الاقتصادي، ولا دولة تنتظر أن تحدد التحولات العالمية مجال حركتها.
إنها تعمل على بناء اقتصاد متعدد المصادر، وبنية تحتية عالمية، وقاعدة صناعية متقدمة، وموقع في الاقتصاد الرقمي، وشبكة واسعة من الشراكات.
وبعبارة أكثر اختصارا:
السعودية تنتقل من امتلاك الموارد إلى امتلاك الخيارات.
وهذه هي النقلة التي تصنع الفرق بين دولة تستفيد من النظام الدولي، ودولة تستطيع أن تؤثر في اتجاهه.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأكثر دقة اليوم هو : هل ستنجح السعودية في تنويع اقتصادها؟.
بل السؤال الأهم: هل ستنجح في تحويل تنويع الاقتصاد إلى تنويع للقوة؟.
إن المؤشرات تشير إلى أن هذا هو الاتجاه.
وإذا نجحت المملكة في وصل هذه العناصر بعضها ببعض، فإن أثر التحول لن يتوقف عند حدود الاقتصاد السعودي.
فدولة تمتلك هذه الموارد والقدرات والموقع، ثم تنجح في تنويع مصادر قوتها، ستكون بالضرورة أكثر قدرة على التأثير في محيطها، وحماية مصالحها، وصناعة الشراكات، والمشاركة في صياغة الأولويات الإقليمية والدولية.
وهنا تتجاوز السعودية السؤال التقليدي عن «دور الدولة» في الشرق الأوسط.
فالسؤال لم يعد ما إذا كانت المملكة ستحتل موقعًا مهمًا في المنطقة.
موقعها مهم أصلًا.
السؤال الحقيقي هو: أي نوع من القوة تريد السعودية أن تكون؟.
قوة تعتمد على ما تملكه، أم قوة تعرف ماذا تفعل بما تملكه؟.
قوة تستفيد من المستقبل، أم قوة تستثمر في صناعة المستقبل؟.
الفرق بين السؤالين هو بالضبط الفرق بين إدارة الثروة وصناعة التاريخ.
ولهذا فإن السعودية لا تبني فقط اقتصادًا لما بعد النفط.إنها تبني دولة أكثر تنوعًا في أدوات قوتها، وأكثر اتساعًا في خياراتها، وأكثر قدرة على التأثير في عالم يتغير بسرعة.وربما تكون هذه هي القراءة الأعمق للتحول السعودي كله: أن المملكة لا تنتظر أن يستقر شكل المستقبل حتى تحدد مكانها فيه، وإنما تعمل منذ الآن على امتلاك الأدوات التي ستشارك في تحديد شكل ذلك المستقبل.
ومن يملك أدوات المستقبل، لا ينتظر أن يُمنح دورًا فيه.