د. طلال الحربي
ليست القضية ضيفاً عابراً يُقحم رأيه في حلقة ثم يرحل، فتلك حال يمكن تفهمها وتجاوزها بما تتيحه الحلقات الأخرى من تصحيح وتعديل. القضية هنا أعمق وأكثر إثارة للقلق الفكري، إذ نحن أمام صاحب المنبر نفسه، مقدّم البرنامج الذي يعود في كل حلقة ليجلس على كرسيه متقلداً بحضوره الدائم كل ألقاب المعرفة الإنسانية في آنٍ واحد، فهو المؤرخ الفذ في حلقة، والجغرافي المحيط في حلقة أخرى، ثم الأديب الراسخ والاقتصادي الحصيف والسياسي المتبحر جميعاً في حلقات تليها، وكأن الله لم يخلق في هذا الزمان من أوتي الحكمة وفصل الخطاب إلا هذا الرجل بعينه.
ولو اقتصر الأمر على هذا التضخم المعرفي الذاتي لهان الخطب وأمكن للمشاهد أن يُسكّن حيرته بابتسامة يتجاوز بها ما يرى. غير أن ما يشي به هذا البرنامج على مدار حلقاته يكشف عن توجه لا يمكن وصفه بالعرضي ولا تفسيره بزلة اللسان، وهو أن صاحبه قد وقع في مأزق إيديولوجي خطير جعله يتعامل مع قضايا أجمع عليها العالم من العدو قبل الصديق، ومن المستعمِر قبل المستعمَر، تعاملاً انقلابياً تجديفياً وكأنه بات يحمل في جيبه إعادة كتابة التاريخ الكوني من أوله.
والمفارقة الصارخة التي تستوقف كل متابع منصف أن هذا الرجل كلما جاء الحديث عن الغرب واتفاقياته وسياساته ودوله التي أمضت عقوداً تنهب شعوباً وتستبيح أرضاً وتُذهب كرامات، استجمع كل طاقته وانبرى مدافعاً بأكثر مما يُدافع أبناء تلك الدول عن أنفسهم، بل بأكثر مما يجرؤ على المطالبة به المتعصب الغربي في أشد لحظاته استعلاءً. وقد وصف الأقدمون هذا الضرب من التماهي المبالغ فيه بمقولة “أملك من الملكة”، تلك المقولة التي تُضرب للتهكم ممن يتحمس لقضية قوم أكثر من أصحابها، غير أن حضور هذا المقدم يجعل المقولة تبدو متواضعة في توصيف ما يُقدَّم.
وكانت حلقة الدفاع عن اتفاقية سايكس بيكو كاشفة بامتياز، وهي الاتفاقية التي يعرف القاصي والداني، المؤرخ في كولومبيا والطالب في عمّان على حد سواء، أنها كانت مشرطاً استعمارياً جرّاحاً مزّق خريطة المشرق العربي ووزّع شعوبه كالغنائم بين المنتصرين. وقد خاض صاحب البرنامج دفاعه عن هذه الاتفاقية بمنطق يبدو صارماً ويتداعى عند أول اختبار حقيقي، إذ ساءل: لو كانت سايكس بيكو هي الجاني فلماذا لم تتوحد الدول العربية بعد رحيل الاستعمار؟ وكأن الاستعمار في مخيلته كان راهباً زاهداً ينزل ضيفاً ثم يرحل دون أن يخلف أثراً في المضيف، دون أن يُحكم زرع الفتنة الطائفية والقبلية والحدودية التي صارت ميراثاً تعجز الأجيال عن نقضه، دون أن يُبقي من العملاء والمتنفذين والحسابات المزروعة ما يكفل استمرار التبعية بعد رفع الأعلام المستعمِرة وإدارة ظهورها.
ثم يُلقي صاحب البرنامج حكمته الكبرى بأن الاستعمار أتى بالخير وأن ما نحن فيه من تخلف وتشرذم حصيلة أيدينا لا أياديه، متجاهلاً في لحظة واحدة ما يعصف بهذه النظرية من الداخل قبل أن يُعصف بها الآخرون، وهو أن الدول الاستعمارية ذاتها باتت تنوء بثقل ما اقترفته وتتسابق إلى الاعتراف والاعتذار. لقد قالت بلجيكا كلمتها في الكونغو، وقالت فرنسا كلمتها في الجزائر، وقالت بريطانيا كلمتها في كينيا وغيرها، وأبناء هذه الدول يكتبون ويتظاهرون ويطالبون بالاعتذار الرسمي عما صنع أجدادهم. فأين يضع صاحب البرنامج هذه الوقائع الموثقة حين يرفع راية الدفاع؟ وكيف يستقيم في العقل والمنطق أن يتبرأ المُذنب من إدانة نفسه بينما يبادر المُتضرر المزعوم إلى التبرئة قبل أن يُطلب منها؟
ولعل الجانب الأكثر إيلاماً في هذا كله أن يكون صاحب هذه المواقف من أبناء المنطقة التي طالتها يد الاستعمار وامتد ظلها على محيطها الجغرافي والثقافي، وأن يكون حماسه لقضايا الغرب ودفاعه عن سياساته في المنطقة العربية أضخم بمراحل من حماسه لأي قضية تمس بلده أو منطقته أو أمته.
فحين يعلو الصوت دفاعاً عن سايكس بيكو وتبريراً للحضور الاستعماري ويخفت هذا الصوت حين يُطرح الشأن الخليجي أو العربي في السياق ذاته، فلا نجد السخاء المعلوماتي ولا الحرارة الدفاعية ذاتهما، هنا يتوقف المراقب الأكاديمي ليتساءل عن الأولويات الحقيقية وعن المحرك الكامن خلف هذا التفاوت اللافت والمتكرر.
إن الإعلام في أسمى أدواره الحضارية منبر للتنوير وميزان للحق وأداة لبناء وعي المجتمع وتعزيز انتمائه وفهمه لذاته وتاريخه ومحيطه. وحين يتحول هذا المنبر إلى مختبر يُعاد فيه طرح التسويغ للعدوان التاريخي، وتُقدَّم فيه الهزيمة بوصفها نعمة والاستعمار بوصفه إحساناً، فنحن لسنا إزاء خطأ تحريري يمكن تصويبه، بل إزاء خيار استراتيجي يستحق أن يُسمى بصريح اسمه. ولهذا ليس من العدل أن يظل اسم البرنامج “فصل المقال” وهو يمارس من حيث يدري أو لا يدري تضليل المقال، لأن التضليل حين يجيء من مقدم متمكن يحسن صياغة كلامه ويُحكم بناء عباراته يكون أشد خطراً وأبعد أثراً من أي ضيف عابر يدلي بدلوه في حلقة واحدة ثم تطوى صفحته.
والمشاهد العربي المتابع يستحق إعلاماً يحترم عقله ولا يُسوّق له بضاعة الهزيمة في غلاف المعرفة المُذهَّب، ويستحق منبراً لا تكون فيه الموضوعية حجاباً يُستتر به لتمرير مواقف أعجز المُستهدَفون بها عن الدفاع عن أنفسهم. أما من يجلس على ذلك الكرسي ويُقلّب في كل حلقة ورقة من أوراق العلم الإنساني، فخير له وأجدى على مشاهديه أن يضع من حرارة دفاعه عن الآخرين حصة ولو صغيرة لمن يجمعه بهم دم ولغة وتاريخ مشترك.