عبود بن علي ال زاحم
يعجبني ذلك المدير الذي لا أحب أن أسميه مديرًا فقط، بل القائد القريب من فريقه. القائد الذي لا ينتظر الخطأ حتى يسجله ملاحظة ولا يكتفي بإعادة البريد الإلكتروني محملًا بالانتقادات والتعليقات، بل يعيده إليك ومعه الحل والتوجيه والتصحيح. يقول لك أين الخطأ؟ ولماذا حدث؟ وكيف يمكن تجاوزه؟ لأن هدفه في النهاية ليس إثبات أنك أخطأت، بل مساعدتك حتى يصبح العمل أفضل.
وقد عملت في مرحلة من حياتي مع شخص بهذه الطريقة ورأيت كيف يستطيع القائد أن يصنع بيئة عمل مختلفة تمامًا. كان يصحح الخطأ دون أن يقلل من صاحبه ويدعم الصواب دون أن يبحث عن الفضل لنفسه. وإذا ظهرت مشكلة لم يكن أول سؤال يطرحه: من المخطئ؟ بل كان يبحث عن السؤال الأهم: كيف نعالج المشكلة ونمنع تكرارها؟ وهنا في وجهة نظري يظهر الفرق الحقيقي بين المدير والقائد.
فمن السهل أن تراجع عمل موظف وتضع عليه عشر ملاحظات ثم تعيده إليه. ولكن الأصعب والأهم أن تساعده على فهم الخطأ وتطوير مستواه. ومن السهل أن تقول للموظف إن عمله غير صحيح لكن القيادة تبدأ عندما توضح له كيف يصبح صحيحًا. الموظف لا يحتاج دائمًا إلى من يحصي أخطاءه بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على تجاوزها والتعلم منها.
والقائد الحقيقي لا يصطاد الأخطاء حتى يثبت حضوره بل يبني الإنسان الذي أمامه. لا ينتظر تعثر فريقه ليقول لهم: ألم أقل لكم؟ بل يكون قريبًا منهم قبل المشكلة وأثناءها وبعدها. وإذا تحقق النجاح لا يقف في المقدمة وحده، بل يعرف أن نجاح فريقه هو أعظم دليل على نجاحه هو شخصيًا.
البعض يعتقد أن قرب المدير من موظفيه قد يقلل من هيبته وأن كثرة الحديث معهم أو مشاركتهم الحلول قد تضعف صورته الإدارية. بينما أرى أن الحقيقة مختلفة تمامًا. القرب من الفريق ليس ضعفًا بل ثقة بالنفس وبالفريق. القائد الواثق لا يخشى أن يستمع إلى رأي موظف ولا يتردد في الاعتراف بأن اقتراح أحد أعضاء فريقه أفضل من اقتراحه لأنه لا يبحث عن الانتصار لنفسه بقدر ما يبحث عن نجاح العمل.
وقد تجد مديرًا يغلق بابه طوال اليوم ويعتقد أن المسافة تصنع الهيبة، بينما تجد قائدًا آخر بابه مفتوح يسمع ويشرح ويوجه ويحل المشكلات ومع ذلك يحظى باحترام أكبر. فالهيبة في بيئة العمل لا تصنعها الأبواب المغلقة ولا كثرة التعليمات بل تصنعها العدالة والثقة والمواقف التي يظهر فيها القائد وقت الحاجة.
وأجمل ما يمكن أن يقدمه القائد لفريقه أن يكون خط الدفاع الأول عنهم. لا يرمي الموظف أمام الآخرين عند أول خطأ ولا يتنصل من مسؤوليته عندما تتعقد الأمور. يناقش الأخطاء داخل الفريق ويحفظ كرامة الموظف ثم يعمل معه على التصحيح. وعندما يشعر الموظف أن خلفه قائدًا عادلًا وداعمًا فإنه يصبح أكثر جرأة في المبادرة وأكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية وأكثر شفافية في الحديث عن التحديات قبل أن تتحول إلى أزمات.
وهنا نحتاج في بيئات العمل إلى ثقافة مختلفة. ثقافة لا تكتفي باكتشاف المشكلة بل تبحث عن الحل ولا تجعل الاجتماعات ساحات للوم بل مساحات للتطوير. فإذا أعدت بريدًا إلكترونيًا إلى موظف فلا تعيده بالملاحظات فقط، بل ضع معه ما يساعده على التحسين. وإذا أخطأ أحد أعضاء الفريق فلا يكن السؤال الوحيد لماذا أخطأت، بل كيف نتعلم من الخطأ وكيف نمنع تكراره؟
وأعتقد أيضًا أن نجاح المدير لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الملفات التي أنجزها أو القرارات التي أصدرها بل بسؤال أهم: كم موظفًا تطور تحت قيادته؟ وكم شخصًا أصبح أكثر ثقة وكفاءة وخبرة لأنه عمل معه؟ فالقائد الحقيقي لا يترك خلفه أعمالًا منجزة فقط بل يترك خلفه أشخاصًا أفضل.
وكما قيل: «واثق الخطوة يمشي ملكًا». فالقائد الواثق لا يحتاج إلى الصوت المرتفع ولا إلى استعراض السلطة ولا إلى تذكير الجميع بمنصبه. يكفيه عدله وهدوؤه ودعمه وقدرته على الوقوف مع فريقه عندما تشتد التحديات.
كل التقدير والاحترام لكل قائد ساند فريقه ودعمه وكان خط الدفاع الأول عن الموظفين الذين يعملون معه. صحح أخطاءهم دون أن يكسرهم وفتح أمامهم طريق النجاح بدل أن يكتفي بتسجيل الملاحظات عليهم.
فالمدير قد يمنحك أمرًا تنفذه أما القائد الحقيقي فيمنحك الثقة والدعم حتى تصنع النجاح بنفسك.