د.عبدالرحمن الحبيب
قبل الحرب العالمية الأولى، جادل المصرفي البولندي والداعي للسلام جان دي بلوخ، بأن التكنولوجيا العسكرية تطورت لدرجة جعلت الحرب بالغة الخطورة، وأنها باتت مستحيلة «إلا بثمن الانتحار». إنما أعقب ذلك حربان عالميتان مدمرتان، هما الأسوأ في تاريخ البشرية، وإن كانت الثانية أشد فتكاً من الأولى.
حتى قبل تصريحات بلوخ، بدأت تظهر توقعات بأن الحرب أصبحت مدمرة على نطاق واسع ومكلفة بشكل متزايد، ومن المرجح أن تقل وتيرتها. ففي عام 1849، على سبيل المثال، كتب الفيلسوف الأمريكي رالف والدو إيمرسون: «الحرب تلفظ أنفاسها الأخيرة، والسلام العالمي حتمي كحتمية انتصار الحضارة على البربرية».
إلا أن الحروب استمرت، فهل نحن كجنس بشري نميل لحل أزماتنا عبر الحرب والقتال فيما بيننا؟ هل هو ميل غريزي داخل النفس البشرية، أم أنه مدفوع بعامل خارجي نابع من عناصر مختلفة سياسية واجتماعية وثقافية، أو ضرورة أمنية؟
حاول الكثيرون معالجة هذه التساؤلات، لكن الإجابات ظلت عصية على الإقناع، حتى بالنسبة لأفذاذ المؤرخين، ومنها كتاب «لماذا الحرب؟» صدر العام الماضي لأستاذ التاريخ بجامعة إكستر ريتشارد أوفري الذي بحث في الدراسات التاريخية لفهم أسباب استمرارية الحروب؛ وخلص إلى أنه: «إذا كان للحرب تاريخ بشري طويل جدًا، فإن لها أيضًا مستقبلًا».
إنما الآن في عصرنا الرقمي الحالي ظهرت أفكار جديدة مفادها عدم جدوى الحروب وعبثيتها، مثلما طرح المؤرخ يوفال هراري بأن الحروب في الماضي كانت تُشن لجلب الثروة من موارد مادية كالأرض والمحاصيل والنفط. أما اليوم، فتُبنى الثروة والقوة الحقيقية على سلاسل إمداد معقدة، ومعرفة علمية، والابتكار وبنية تحتية تكنولوجية، وليس على التوسع الجغرافي. لذا، وفقاً لهراري، أصبحت الحرب «عبثية» اقتصاديًا واستراتيجيًا بالقرن الحادي والعشرين.
وهنا، يتساءل ستيفن والت بروفيسور العلاقات الدولية بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب «الجيوسياسة الجديدة»: هل الانتصارات الباهرة في ساحات المعارك في هذا العصر الرقمي تُحقق الأهداف والنتائج المرجوة منها؟ ويجيب: «أصبحت الحرب بلا جدوى، فلطالما وُجد الصراع العسكري، لكنه فقد معناه»، إلا أنه أضاف: «أقول هذا بحذر شديد، لأن التوقعات السابقة بأن الحرب ستصبح أكثر تكلفةً وستقل وتيرتها لم تتحقق». (مجلة فورين بوليسي).
يُبرر والت فكرة أن الحروب المعاصرة أصبحت «بلا جدوى»، لأنها فشلت في تحقيق الأهداف السياسية وتسببت في خسائر استراتيجية ومادية فادحة للقوى العظمى؛ ويدعو إلى تبني الدبلوماسية الواقعية وتجنب التدخلات العسكرية التي تتحول غالباً إلى مستنقعات طويلة الأمد. ويجادل بأن الوقوع في فخ «وهم النصر السهل» يعود إلى تطور التكنولوجيا الحديثة والذخائر الموجهة بدقة، التي جعلت قرار شن الحرب «سهلاً» بشكل خطير، وخالياً ظاهرياً من المخاطر بالنسبة للدول القوية.
كما يطرح أن ثمة تناقض بين الوسائل والغايات، فرغم الهيمنة العسكرية الهائلة، غالباً ما تفشل التدخلات العسكرية الحديثة في تحقيق أهداف استراتيجية أو سياسية طويلة الأمد، مما يجعل الحرب عنفاً عبثياً على نحو متزايد.
أخيراً، هل فعلاً أصبحت الحروب بلا جدوى في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأنها ستتوقف؟ أم أن هذه مجرد أمنيات مدفوعة بالعاطفة أكثر من الواقع؟ ولماذا تستمر الحروب؟ لأن، كما خلص المؤرخ هاراري، القادة السياسيون قد يتصرفون أحياناً بدوافع تاريخية، أو أيديولوجية، أو شخصية، أو عاطفية بعيداً عن الحسابات الاقتصادية العقلانية.
وإذا كانت الأسلحة النووية جعلت الحروب الكبرى بين الدول العظمى بمثابة تدمير ذاتي متبادل لا رابح فيه؛ فلماذا سباق التسلح؟ السبب وفقاً لهراري هو الخوف والشك المتبادل وغياب الثقة بين القوى العظمى يدفعها إلى الانخراط في سباق تسلح من أجل الحفاظ على الذات، حتى لو كانت الحرب في نهاية المطاف عبثية للجميع.