د. أماني عبدالله باهديلة
منذ أن عرف الإنسان فن البناء، لم تكن العمارة مجرد جدران وأحجار، بل كانت دائمًا مرآةً لقوة الحضارات ومظهرًا من مظاهر تقدمها. وقد أدرك قدماء المصريين هذه الحقيقة مبكرًا؛ فشيّدوا الأهرامات والمعابد والمسلات والمنشآت الضخمة، لتصبح شاهدًا على قدرة الإنسان على تحويل الابتكار الى فكرة ومن ثَمّ إلى بناء يتحدى الزمن.
ومن هنا بدأت قصة طويلة من منافسة الحضارات في العمارة؛ فكل حضارة أرادت أن تترك أثرًا يميزها عن غيرها، وكل عصر حاول أن يتجاوز ما سبقه في الحجم، والقوة، والجمال، والدقة، والمعنى.
ومع الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دخلت العمارة مرحلة جديدة. ظهر الحديد والصلب، وتطورت علوم الهندسة والحسابات الإنشائية، وأصبح السؤال أكثر جرأة: إلى أي ارتفاع عمراني يستطيع الإنسان أن يصل؟
في عام 1889، ظهر برج إيفل في مدينة باريس في فرنسا، ليصبح أحد أشهر رموز النهضة الهندسية في القرن التاسع عشر. لم يكن مجرد برج من الحديد، بل كان إعلانًا عن قدرة الهندسة الحديثة على تحويل المنشأة إلى تحفة فنية ورمز حضاري.
وامتدت هذه النهضة إلى مدينة القاهرة، حيث تم إنشاء جسر أبو العلا عام 1912، وارتبط اسمه بالمهندس الفرنسي غوستاف إيفل. وكان من المنشآت الحديدية المتميزة في عصره، وتميز بجزء متحرك يسمح بمرور السفن، ليصبح شاهدًا على انتقال المعرفة الهندسية بين الحضارات.
ثم جاء القرن العشرون، وبدأت ناطحات السحاب في تغيير صورة المدن، ففي نيويورك ارتفع مبنى «إمباير ستيت» عام 1931 إلى 381 مترًا، ليصبح رمزًا للقوة الصناعية والهندسية الأمريكية.
ومع تطور التكنولوجيا، انتقلت المنافسة إلى آسيا؛ فارتفع تايبيه 101 في تايوان إلى 508 أمتار، بينما وصل برج شنغهاي في الصين إلى 632 مترًا، ليجسدا طموحًا عمرانيًا وتقنيًا يعكس صعود المدن الآسيوية.
وفي نيويورك أيضًا ظهر مركز التجارة العالمي الواحد بارتفاع 541.3 متر.
أما العالم العربي، فقد دخل هذه المنافسة الحديثة بقوة. ففي الرياض أصبح برج الفيصليه بارتفاع 267 متر والذي بني في عام 2000 وكذلك برج المملكة والذي تم بناؤه في 2002، بارتفاع 302.3 متر، أحد أبرز رموز العاصمة السعودية، بينما ارتفع في دبي برج خليفة الذي «تم بناؤه في 2009» إلى 828 مترًا ، ليصبح أطول برج في العالم، ويجسد مستوى غير مسبوق من الابتكار الهندسي والتقنيات الإنشائية.
وهكذا، من أهرامات الجيزة إلى أبراج نيويورك وآسيا والرياض ودبي، لم تتغير الفكرة الأساسية؛ تغيرت الأدوات فقط.
كان المصري القديم يبني ليعلن قوة حضارته، وأصبح الإنسان الحديث يبني ليعلن قدرته على الابتكار ومواكبة المستقبل.
واليوم لم تعد المنافسة العمرانية قائمة على الارتفاع والضخامة وحدهما، بل أصبحت تشمل الذكاء الاصطناعي، والاستدامة، وكفاءة الطاقة، والمدن الذكية، وجودة الحياة. فالمبنى الحديث لم يعد مجرد هيكل يرتفع نحو السماء، بل أصبح نظامًا متكاملًا يتفاعل مع الإنسان والبيئة والمدينة.
إنها رحلة آلاف السنين؛ من حجر الأهرامات إلى الفولاذ والزجاج، ومن المعابد القديمة إلى ناطحات السحاب، ومن المدن التقليدية إلى المدن الذكية.
وربما يكون أعظم ما في هذه الرحلة أن الإنسان، منذ فجر الحضارة وحتى اليوم، ما زال يطرح السؤال نفسه: كيف نبني شيئًا يتجاوز عصرنا.. ويبقى شاهدًا علينا بعد أن نرحل؟
فالأمم لا تترك تاريخها في الكتب فقط؛ أحيانًا تتركه واقفًا في الأرض، وشامخًا في السماء.