د. رانيا القرعاوي
في كل يوم يستيقظ كل منا على خبرٍ عاجل، نقرأ العنوان على الهاتف، ثم نقضي ساعات نستمع إلى مؤثرين لمعرفة ما حدث، وقد نلجأ إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي لنساله كيف نستفيد من هذا الخبر أو ما أهميته لنا؟؟
نعرف من خلال هذه الرحلة القصيرة أن الصحيفة هي التي صنعت المعلومة وتحققت منها، لكنها مع الأسف لم تكن بالضرورة الجهة التي ساعدت القارئ على فهمها. وهذه هي المفارقة التي تختصر أزمة الصحافة اليوم: تمتلك الخبر، ويملك غيرها التأثير في الجمهور.
يوضح تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، أن شبكات التواصل ومنصات الفيديو أصبحت للمرة الأولى، الوسيلة الأكثر استخدامًا للوصول إلى الأخبار عالميًا بنسبة 54%، مقابل 51% لمواقع المؤسسات الإخبارية وتطبيقاتها. ويشاهد 77% من المشاركين مقاطع إخبارية عبر الإنترنت أسبوعيًا، فيما يحصل 27% على بعض أخبارهم من مؤثرين متخصصين في الأخبار.
بحسب التقرير فإن الجمهور يرى المؤثرين أكثر تشويقًا، وأسهل فهمًا، وأقرب إليه من وسائل الإعلام التقليدية، لكنه يراهم في الوقت نفسه أقل موثوقية وحيادًا. وبرأيي فإن بين مطرقة القرب بلا موثوقية كافية وسندان الموثوقية بلا قرب كافٍ، توجد المساحة التي يمكن أن تولد فيها صحيفة المستقبل.
أتذكر مقولة للباحث في الإعلام الرقمي كلاي شيركي أن المجتمع لا يحتاج إلى الصحف، بل يحتاج إلى الصحافة، هذه المقولة ليست نعيًا للصحيفة، بل دعوة إلى تحريرها من الاعتقاد أن بقاء الشكل يعني بقاء الدور.
فالناس لا يتعلقون بالورق أو التطبيق بقدر تعلقهم بمن يبدد حيرتهم، ويحميهم من التضليل، ويشرح لهم العالم بوضوح ودون تعقيد.
لذلك فإن صحف هذا العصر لن تنجح إذا اكتفت برقمنة النموذج القديم: خبر قصير يوضع في الموقع، ثم رابط ينشر على المنصات. بل نجاحها يكمن في إعادة توضيح منتجاتها/ ومن هنا أقترح أن تنشئ الصحف داخل غرف أخبارها مكتب لتوضيح الأخبار بفيديوهات او مواد مرئية لا بوصفه قسمًا هامشيًا، بل قلبًا تحريريًا يرافق الأحداث الكبرى منذ لحظتها الأولى.
فصحفي المستقبل الحقيقي هو الصحفي الذي يجمع مهارات المحرر والباحث والمذيع وصانع المحتوى، ويستطيع تحويل الوثيقة المعقدة إلى قصة مفهومة، من دون تسطيح أو إثارة. يكون له اسم ووجه وصوت يعرفه الجمهور، لكنه يعمل داخل منظومة تحريرية تراجع معلوماته وتعلن مصادره وتصحح أخطاءه. أي إنه يأخذ من المؤثر إنسانيته وقربه، ومن الصحيفة دقتها ومسؤوليتها.
وإذا استطاعت الصحيفة أن تجمع بين دقة المعلومة وبساطة شرحها، وأن تخاطب القارئ بلغته وتجيب عن أسئلته، فلن تفقد مكانتها، فمستقبل الصحف لا تصنعه سرعة الوصول إلى الخبر وحدها، بل قدرتها على البقاء مع القارئ حتى تتضح له الصورة.