أنس تشكالا
نحن نعيش في زمن نشعر فيه أحيانًا أننا مطالبون بتفسير كل شيء. لماذا لم نرد على الرسالة؟ لماذا اعتذرنا عن اللقاء؟ لماذا اخترنا هذا الطريق؟ لماذا تغيّرنا؟ لماذا لم نعجب بما أعجب الآخرين؟ وكأن حياتنا أصبحت ملفًا مفتوحًا يحتاج إلى شروحات مستمرة، وكأن كل اختيار لا يفهمه الآخرون يحتاج إلى تبرير. في البداية يبدو الأمر طبيعيًا. فنحن نشرح أنفسنا عندما يحدث سوء فهم، ونوضح مواقفنا حين تكون هناك حاجة إلى التوضيح. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفسير من وسيلة للتواصل إلى عادة، ومن رغبة في إزالة سوء الفهم إلى محاولة دائمة لإقناع الآخرين بأن لنا الحق في اختياراتنا.
وقد نجد أنفسنا أحيانًا نشرح قرارًا بسيطًا أكثر مما يستحق. نعتذر لأننا لم نستطع الحضور، ثم نشرح السبب، ثم نضيف أسبابًا أخرى حتى لا يظن الطرف الآخر أننا نتجاهله. نرفض طلبًا مشروعًا، فنشعر أننا بحاجة إلى تقديم قصة كاملة حتى يصبح الرفض مقبولًا. نختار أن نصمت في موقف ما، فنبحث عن كلمات كثيرة لنبرر لماذا لم نتكلم. كأن كلمة «لا» لم تعد كافية، وكأن الاختيار الشخصي لا يكتسب شرعيته إلا إذا وافق عليه الآخرون.
لكن الإنسان ليس ملزمًا بأن يجعل حياته مفهومة للجميع. هناك فرق بين أن تشرح موقفك لمن يهمك أمره، وبين أن تعيش في حالة دفاع مستمر أمام كل من يسأل أو يعلّق. فبعض القرارات تحتاج إلى تفسير لأنها تمس الآخرين، وبعضها الآخر لا يحتاج إلا إلى أن يكون مناسبًا لصاحبه.
والأغرب أن كثرة التفسير قد تؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية. فكلما أكثرنا من شرح موقفنا، فتحنا أبوابًا جديدة للنقاش والاعتراض. يتحول التوضيح إلى محاكمة، وتتحول المحاكمة إلى محاولة لإثبات أننا على حق، ثم نكتشف أننا لم نعد نناقش القرار نفسه، بل نحاول الحصول على موافقة الآخرين عليه.
ولا يعني ذلك أن نتجاهل الآخرين أو نرفض الحوار. الإنسان يعيش بين الناس، ومن الطبيعي أن يوضح ويعتذر ويستمع ويعيد النظر. لكن هناك لحظة يصبح فيها التفسير استنزافًا أكثر منه تواصلًا؛ لحظة نكتشف فيها أننا لا نشرح لأن الآخر يحتاج إلى الفهم، بل لأننا نخشى ألا يرضى عنا.
ربما لا يحتاج كل اختلاف إلى حل، ولا كل اختيار إلى موافقة، ولا كل صمت إلى تفسير. بعض الأشياء يكفي أن تكون واضحة في داخلنا، حتى لو بقيت غير مفهومة تمامًا في الخارج. لقد نحتاج أحيانًا إلى أن نشرح أنفسنا، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نعرف متى نتوقف عن الشرح.
فليست كل حياةٍ تحتاج إلى تعليق، وليست كل خطوةٍ تحتاج إلى دفاع، وربما يكون من علامات النضج أن نستطيع أن نقول: هذا اختياري، وأتفهم أنك لا تراه بالطريقة نفسها، لكنني لست مضطرًا إلى تحويل حياتي إلى شرح طويل حتى يكون مقبولًا.