رمضان جريدي العنزي
يؤمنون بالعلم حين يكون في خدمتهم، ويكفرون بنتائجه حين تصطدم بأوهامهم، يعرفون قيمة العلم الحديث حين يكتشف لهم الإنسولين، ويطوّر المضادات الحيوية، وينقذ حياتهم في غرف العمليات والمختبرات والعنايات المركزة؛ عندها لا يسألون: من قال؟ ولا من أين جاء الدليل؟ بل يتسابقون إلى الانتفاع به، لكن حين يأتي العلم نفسه بأدواتٍ أكثر دقة، كعلم DNA، ويضع الحقائق في مواجهة الادعاءات، تبدأ المراوغة، ويظهر إنكارٌ لا علاقة له بالعلم، بل بالخوف من النتيجة، وهنا ينكشف التناقض، ليسوا ضد العلم، وإنما ضد العلم الذي لا يستطيعون إخضاع نتائجه لرغباتهم، فالـDNA ليس رأيًا، ولا قصيدةً تحتمل التأويل، ولا روايةً يتنازعها الناس؛ إنه علم قائم على تحليل مادي قابل للفحص والمقارنة وإعادة الاختبار، ونتائجه لا تتغير لأن شخصًا لم تعجبه، ومن يطلب الدليل حين يوافقه، ثم يرفض الدليل نفسه حين يدينه، لا يمارس نقدًا علميًا؛ بل يمارس انتقائيةً فكريةً مكشوفة، العلم لا يُطلب منه أن يجمّل صورتنا، ولا أن يحفظ لنا أوهامًا ورثناها، ولا أن يصفّق لما نحب أن نكونه، وظيفة العلم أن يكشف ما هو كائن، لا أن يجمّل ما نريد أن يكون، ومن كان واثقًا من دعواه، فليواجه الدليل بالدليل؛ أما الهروب من النتائج، والطعن في العلم لمجرد أن نتائجه لا توافق الهوى، فليس انتصارًا للحقيقة، بل اعترافٌ صامتٌ بأن الحقيقة أصبحت ثقيلةً على أصحاب الوهم، وفي النهاية، الحقيقة لا تُهزم بالصراخ، ولا تُدفن بالإنكار، ولا تتغيّر لأن بعضهم ارتعب من نتائجها، من كان واثقًا من موقفه فليضعه على طاولة العلم، وليواجه الدليل بالدليل، أما أن يقبل العلم حين ينقذ جسده، ثم يلعنه حين يهدم وهمه، فذلك ليس دفاعًا عن الحقيقة، بل هروبٌ منها، فالذي يخشى أن يكشف الـDNA حقيقته، مشكلته ليست مع العلم، بل مع الحقيقة التي قد يكشفها العلم.