د. تنيضب الفايدي
تقع محافظة ضباء في ربوع الشمال الغربي لمملكتنا الغالية على شاطئ البحر الأحمر غربي مدينة تبوك، وتبعد عنها مسافة 180 كم، وتضرب ضباء بجذورها في التاريخ، إذ كانت قرية مأهولة بالسكان منذ القرون الهجرية الأولى، حيث وردت في أشعار قديمة كقول الحسين بن مطير الأسدي:
وأصبحت منهم ضباء خالية
كما خلت منهمُ الزوراءُ فالعوجُ
تتمتع مدينة ضباء بوفرة مواردها الطبيعية، لا سيما المياه العذبة التي جعلت منها وجهة مثالية للاستيطان منذ القدم، حيث يكثر في وديانها شجر المقل (الدوم) والتمر هندي (الحمر). ونظراً لوقوعها على الشاطئ، فقد اشتهرت قديماً بمينائها الآمن لسفن التجارة والصيد؛ حيث امتهن سكانها صيد الأسماك الذي شكّل غذاءهم الأساسي، بالإضافة إلى استخراج الأصداف. كما لعب أهلها دور الوسيط التجاري بين المدن والقرى الداخلية والساحل. واليوم تواصل ضباء إشعاعها كأحد أجمل المقاصد السياحية التي تمنح زوارها مزيجاً ساحراً من الطبيعة البكر والهدوء الساحر.
أما تسميتها فقيل: سميت ضباء؛ لأنّ في لغة أهل الشمال الجو ضَاب أو ضب بمعنى كاتم أي: حار ورطب، ويقال: ضّب الجو أي: أصبح حاراً، ورطب بمعنى مكتوم، وترجح بعض الروايات أن اسم ضباء مشتق من كلمة ضبا العربية، والتي تشير إلى نوع من الظباء البرية التي كانت تتواجد بكثرة في المنطقة.
وتزخر ضباء بتاريخ حافل ممتد منذ القدم، إذ اشتهرت بوصفها ميناءً حيوياً على ضفاف البحر الأحمر. وبفضل موقعها الإستراتيجي الجاذب، وكونها محطة ركيزة على طريق الحج الساحلي، تبوأت ضباء مكانة تاريخية وجغرافية رفيعة في مدونات المؤرخين وروايات الرحالة، قال ياقوت الحموي: «ضباء، وقيل ضبة قرية بتهامة على ساحل البحر مما يلي الشام وبحذائها قرية يقال لها بَدا... ويرد اسمها في المصادر على صور مختلفة».
وذكرها ابن خرداذبه في كتابه (المسالك والممالك) قائلاً: «فأمّا من أخذ على طريق الساحل فإذا صار إلى شرف البعل صار إلى الصلاق ثم إلى النبك ثم إلى ضباء ثم إلى عويند ثم إلى الوجه».
وقال السمهودي: «ضباء من عمل المدينة المنورة مرفأ للسفن مأمونا، وفيه آبار عذبة، وشجر المقل فيه كثير، بينه وبين مدين جبال شامخة».
وذكرها ابن بليهد في كتابه (صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار) بقوله: «ضباء بلدة تحمل هذا الاسم إلى هذا العهد على ساحل البحر الأحمر لم يتغير من اسمها حرف واحد في شمال المملكة، بها مركز وإمارة تابعة لحكومة جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود».
وذكرها العلامة الجاسر بقوله: «يظهر اسم ضباء فيما اطلعت عليه من كتب الرحلات حتى القرن الثاني عشر الهجري حيث ذكرها النابلسي في رحلته: وكان حج 1105هـ أي: بعد حفر آبارها بنحو خمس سنوات».
وقد وردت ضبة عند المقدسي، وظبة عند الحربي واليعقوبي، وضبا عند العذري والأندلسي والبكري، وظبا عند الإدريسي وعند ابن حوقل في الخريطة التي رسمها للجزيرة العربية. كما ذكرها العديد من المستشرقين الذين زاروا المنطقة مثل: أ. موسل، والمستشرق سنت جون فيلبي.
واشتهرت ضباء كإحدى المحطات الرئيسة المهمة على طريق الحج الساحلي، حيث كانت معبراً تاريخياً ومحطة توقف رئيسة لقوافل الحجاج القادمين من مصر والشام وشمال إفريقيا في طريقهم إلى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة. حيث كان لحجاج مصر في العصور الإسلامية المبكرة بعد رحيلهم من مدين طريقان: أحدهما داخلي، والآخر ساحلي، أما الداخلي فيتجه إلى الداخل نحو شغب، ثم بدا ثم يمرّ على عدد من المنازل إلى أن يصل إلى وادي القرى، حيث يلتقي في السقيا (الخشيبة) بطريق الحج الشامي ليسير معه إلى المدينة، وأما الطريق الساحلي فيسلك بعد مدين ساحل البحر، ويمر على عينونا، ثم النبك، (المويلح)، ثم ضباء، ثم العونيد (عنتر)، ثم الوجه، ثم الحوراء (أملج)، ثم نبط، ثم ينبع النخل، ثم الجار، ومن الجار يتجه الطريق إلى مكة المكرمة مروراً بالجحفة أو مروراً ببدر إلى المدينة المنورة.
وكان الطريق الداخلي هو الأكثر استخداماً خلال القرنين الأول والثاني، وخلال القرن الثالث زاد استخدام الطريق الساحلي حتى انتهى الأمر إلى ترك استخدام الطريق الداخلي، واستمر هذا الطريق إلى منتصف القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، ثم توقف الطريق قرنين من الزمان بسبب الوجود الصليبي في بلاد الشام وخليج العقبة، ولم يستخدم هذا الطريق إلا في سنة 667هـ - 1269م بعد طرد الصليبيين، ومن ذلك التاريخ وطوال العصرين المملوكي والعثماني ظل طريق الحج المصري الساحلي في خدمة الحجاج المصريين حتى سنة 1301هـ - 1884م، وهو تاريخ مرور آخر قافلة رسمية للحج على الطريق البري، حيث بدأ الحجاج بعد هذا التاريخ إلى السفر بحراً من السويس إلى جدة على متن السفن البخارية والشراعية.
قال أبو عبيد البكري في كتابه المسالك والممالك: «والطريق من مدينة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصر على الجادة من المدينة إلى ذي خشبٍ إلى السُّويدا إلى البزوة، إلى سقيا يزيد، إلى بَدا يعقوب عليه السلام، إلى ضباء، إلى النبك والصَّلا، إلى عينونة، إلى مدين، إلى أشراف البعْل، إلى وادي الغرب، إلى حقلٍ، إلى مدينة أيلة...».
وربّما في فترة من الفترات يُدعى ضباء بـ: كفافة وسلمى، فقد ذكرها ابن رشيد الأندلسي في رحلته للحج سنة 685هـ، وأوردها الخياري في رحلته للحج سنة 1081هـ باسم الكفافي (جبل يقع جنوب مدينة ضباء على بعد 5 كم تقريباً، واشتهر قديماً بعذوبة مياهه وصفائها)، حيث جاء بهذا الاسم في الأرجوزة عند ذكر أسماء المنازل المصرية:
كفافة فماؤها غزيرٌ
وَدَامَةٌ سَلْمَا لها تزورُ
الأزلمُ المشهورُ فيما حَكَمُوا
نصف الطّريق هكذا قد قَسَمُوا
وسلمى واد جنوب مدينة ضباء حيث ينبع من السفوح الغربية لجبال الحجاز ويصب في البحر الأحمر إلى الجنوب من ضباء. وفي سلمى يقول عبد المحسن الفاسي:
هذه بلاد سلمى
انزل بها وسل ما
هناك ذاك الأسمى
طاب أباً وأماً
مرزوق قد تسمى
ذات الكفافي الأجما
اما رأيت اليما
بين يديه تسما
ويُطلق على ضباء درّة البحر الأحمر؛ لأنها تحتضن أجمل شواطئ العالم حيث تتميّز بنقاوة وصفاء شواطئها، كما كانت ضباء مرسى مأموناً، به سبع آبار عذبة، قال البكري في المسالك والممالك: «وضبا مرفأ للسفن مأمون، وفيه آبار عذبة، وشجر المقل فيه كثير». ويتميز مرسى ضباء بقرب آباره من شاطئ البحر، وبانحناء خوره وامتداده في اليابسة، وباتساع كراعه وخلوه من الشعاب، وهذه المميزات الطبيعية كانت توفر للسفن في العصور القديمة فرصة الاقتراب الشديد من الشاطئ، وإمكانية الاحتماء بالمرسى عند هبوب الرياح والعواصف، ولهذا وصف في المصادر بأنه من المراسي المأمونة. وقد وصف المقدسي في نهاية القرن الرابع الهجري إحدى مدن وادي القرى، كما أشار إليها العذري الأندلسي في بداية القرن الخامس وذكر أنها: «مرسى مأمون، به سبع آبار عذبة وشجر المقل وتمر هندي».
كما عثرت بوادي ضباء على عدد محدود من النقوش الكوفية، وكسر من الحجر الصابوني المصنع، ولا توجد بالوادي أو حول المرسى آثار معمارية من تلك الفترة، على الرغم من أن المصادر أشارت إلى وجود سبع آبار بالمكان في مطلع القرن الهجري الخامس.
كما تحتوي ضباء عدداً من المعالم الأثرية، ومنها:
* قلعة الأزلم: وهي القلعة الوحيدة الصامدة حتى الآن منذ عصر المماليك. تقع جنوب مدينة ضباء، وحالياً يسمى الأزنم، والأزلم هو المسمى الصحيح لهذا المكان، ويوجد بقرب وادي الأزلم موقع أثري التقطت منه أدوات حجرية يرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث.
* قلعة عثمانية: تمّ بناء هذه القلعة في عهد الأتراك وتتميّز هذه القلعة بالطّابع التّركي، وشهدت هذه القلعة إدارات حكومية مختلفة، حيث تمّ تحويل القلعة إلى مقرّات تتبع إلى دوائر حكومية، لأنها كانت صالحة كمقر يسمح باستقبال المعاملات الحكوميّة الرّسمية في ذلك الوقت.
* قلعة الملك عبد العزيز: سميت هذه القلعة نسبةً إلى الملك عبد العـزيز رحمه الله وقد تمّ بناء هذه القلعة عام 1931م على منطقة مرتفعة تطل على مياه البحر الأحمر، وما زالت محافظة على جمالية بنائها حتّى وقتنا الحاضر.
ميناء السّقالة: يرجع تاريخ هذا الميناء إلى العهد العثماني حيث كان مكوّناً من رصيفٍ واحدٍ، وفي عهد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله تمّ تطوير هذا الرّصيف حيث يمتد طوله إلى داخل البحر حوالي خمسين متراً، ويبلغ عرض الرّصيف حوالي العشرين متراً، ومن الدّوائر الحكومية المجاورة لهذا الرّصيف هو مبنى الجمارك ومبنى البلدية وبالإضافة إلى مبنى المالية.
* الآبار السلطانية بوادي ضباء: توجد في وادي ضباء بالقرب من جبل الصفراء الجنوبية، وتتكون من أربع آبار سلطانية مطوية بالحجر الجيري المنتظم، حفرت ثلاثة منها في القرن الحادي عشر الهجري.
* المدرسة الأميرية في ضباء: تقع بجوار الضلع الغربي لقلعة الملك عبدالعزيز آل سعود، وهي إحدى المدارس الأولى في منطقة تبوك.
كما ذكرتُ بأن ضباء تتميز بمنطقة ساحليّة جميلة ذات مناظر خلابة يستمتع الزائر بهدوء شواطئها وصفاء لون مياهها، فلا شكّ في نجاح تلك المنطقة كمنطقة سياحية لتوفر العديد من مقومات السياحة.
وفي العهد السعودي الميمون شهدت مدينة ضباء تطوراً ملحوظاً، جعلها أحد أهم المدن الحيوية على ساحل البحر الأحمر، حيث أُنشئت فيها مشاريع عدة، من أهمها: محطة لتحلية المياه المالحة، وهي من أقدم محطات التحلية بالمملكة وقد أنشئت عام 1388هـ لتخدم شمال غرب المملكة، بالإضافة لتطوير كورنيشها، وتنفيذ مشاريع ربط القرى ببعضها البعض، والمدارس بجميع مراحلها.
إن مدينة ضباء ليست مجرد مدينة ساحلية عابرة، بل هي لؤلؤة الشمال الغربي، عُرفت بمكانتها الجغرافية المتميزة وتاريخها العريق الذي يربط الماضي بالحاضر.
إن التطور المتسارع الذي تشهده المدينة في مختلف القطاعات الحيوية، يجعل منها نموذجاً يحتذى به في التنمية المستدامة، ووجهة واعدة ومشرقة تسهم بفعالية في تحقيق طموحات الوطن ورؤيته المستقبلية».
المراجع:
معجم البلدان للحموي، المناسك للحربي، المسالك والممالك للخرداذبة، المسالك والممالك للبكري، خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي، أحسن التقاسيم للمقدسي، صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار للبليهد، الآثار الإسلامية في شمال غرب المملكة للغبان، المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية للجاسر، كتب المنازل من روافد الدراسات عن جغرافية جزيرة العرب للجاسر، العقد الثمين لدرر تبوك للدكتور تنيضب الفايدي. الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور تنيضب الفايدي.