د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
حلت السعودية في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة جاذبية لمراكز البيانات باعتبارها أنها تمتلك بنية تحتية جاهزة ممثلة في اكساغون مدينة صناعية جاهزة في نيوم وهناك نمو فعلي في القدرات التشغيلية، حيث ارتفعت سعة مراكز البيانات في السعودية من 68 ميغاواط في عام 2021 إلى 440 ميغاواط في عام 2025 أي نمت القدرة التشغيلية 4 مرات، وتطمح رفع السعة إلى 1.5 جيجاوات عام 2030 ونحو 6.6 جيجاوات عام 2034، لتعزيز البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بهدف دعم اقتصاد السعودية إلى اقتصاد قائم على البيانات، وترسيخ موقع السعودية كمركز إقليمي في الشرق الأوسط، تستحوذ على 86 % من سعة مراكز البيانات في منطقة الشرق الأوسط، وكمركز تقني إقليمي وعالمي، والتحول من وفرة الموارد إلى قيادة اقتصاد البيانات، من خلال طفرة مراكز البيانات في السعودية قد تخلق احتياجات تمويلية بفاتورة تمويل ب42 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
تستهدف شركة هيوماين المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، خطة استثمارية تصل إلى 77 مليار دولار للوصول إلى 6.6 جيجاوات عام 2034 بهدف معالجة 7 % من تطلعات الذكاء الاصطناعي العالمي، وهي الرؤية الممتدة التي تؤسس للبنية التحتية لما بعد 2030 وصولا إلى عام 2040، تملك السعودية حاليا نحو 40 مركز بيانات مشتركا قيد التشغيل، منها 10 مراكز في مدينة الدمام، يجري حاليا تطوير نحو 27 مركز بيانات إضافيا في مراحل التخطيط أو الإنشاء، تمتلك السعودية 60 مركز بيانات موزعة في مختلف المناطق، طورتها أكثر من 20 شركة باستثمارات تتجاوز 16 مليار ريال، لتوفير خدمات رقمية موثوقة تلبي احتياجات مختلف القطاعات، بما يشمل التجارة الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والتطبيقات السحابية، وتسهم هذه البنية التحتية في دعم انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، وانترنت الأشياء، والمدن الذكية، بما يعزز التحول الرقمي في مختلف المجالات.
وفي يناير 2026 أعلنت السعودية عن إطلاق مركز بيانات هيكساجون كأكبر مركز بيانات حكومي في العالم من المستوى الرابع Tier IV بمدينة الرياض، ويملك طاقة استيعابية تصل إلى 480 ميجاوات تبلغ مساحته تتجاوز 30 مليون قدم، ويتبنى المركز حلول مبتكرة تعتمد تقنيات متقدمة في مجال كفاءة الطاقة والتبريد الذكي، وتقنيات التبريد السائل المباشر، وأنظمة تبريد هجينة، بما يحقق أدنى معامل لفعالية استخدام الطاقة إلى جانب الاستفادة من الطاقة المتجددة كمصدر مستدام للطاقة بما يضمن أن يكون مركز البيانات أحد أهم مراكز البيانات الخضراء على مستوى العالم.
تعتزم شركة مايكروسوفت إتاحة منطقة مراكز البيانات السحابية التابعة لها في السعودية أمام العملاء في نوفمبر 2026، في خطوة تستهدف تمكين الجهات الحكومية وشركات القطاع الخاص من تشغيل أعباء العمل السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي من داخل السعودية.
توفر أكساغون في نيوم أراضي مخصصة للصناعات المتقدمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع بنية تحتية تتيح للتوسع في الطاقة، ما يعزز قدرات الحوسبة عالية الكثافة، لما تملكه نيوم من ميزة اتصال بحري منخفض زمن الاستجابة عبر البحر الأحمر إلى أوروبا وإلى جنوب شرق آسيا.
تستعد السعودية لمرحلة جديدة ينتج عنها ارتفاع أسعار المدخلات في الولايات المتحدة وأوروبا والصين نتيجة ارتفاع أسعار المدخلات وسط استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد لأسباب متعددة نتيجة تهديدات للممرات البحرية أو نتيجة صراع بين القوى الكبرى، ينتج عنها تباطؤ صناعي يمكن أن تسد هذه الفجوة السعودية بحكم موقعها الجيوستراتيجي وامتلاكها للطاقة ومراكز البيانات التي بحاجة إلى استهلاك طاقة بكميات كبيرة متوفرة في السعودية.
خصوصا وأن أي نشاط صناعي، ففي الولايات المتحدة يمثل نحو 9.4 % من الاقتصاد الأمريكي مدعوما بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، نتيجة ارتفاع أسعار المدخلات، ومع ذلك ظل مؤشر ارتفاع أسعار المدخلات فوق 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش للشهر الثامن على التوالي.
تؤثر مراكز البيانات في السعودية بشكل جذري ومباشر على مستقبل النشاط الصناعي المتقدم، حيث تمثل البنية التحتية الأساسية والعمود الفقري للتصنيع الذكي، بفضل القفزة الكبيرة في القدرة التشغيلية لمراكز البيانات بالسعودية، وتصدرها دول المنطقة ب60 مركز بيانات، لم يعد دورها مقتصرا على حفظ المعلومات، بل أصبحت المحرك الحوسبي الذي يحول المصانع التقليدية إلى منشآت ذكية ومستقلة بما يعزز القدرة التنافسية للصناعة السعودية لمضاعفة الاستثمارات الصناعية البالغة 1.2 تريليون ريال ومضاعفة الصادرات غير النفطية البالغة 515 مليار ريال، وكذلك مضاعفة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي من 500 مليار ريال في 2025.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا