أنور الدوامي
استقالة المدير أو انتقاله إلى منظمة أخرى أمر طبيعي في سوق العمل، بل إنه خطوة مهنية مشروعة. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يرحل المدير وحده، بل يخرج معه عدد من الموظفين، وكأن الإدارة ملكية خاصة تنتقل من مكان إلى آخر.
بعض المديرين خصوصاً من أمضوا سنوات طويلة في المنظمة، ينجحون في بناء شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل الإدارة. ومع مرور الوقت، قد يصبح ارتباط بعض الموظفين بالمدير أقوى من ارتباطهم بالمنظمة نفسها. وهنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها (الهجرة الجماعية للموظفين).
عندما يستقيل مدير وتتبعه مجموعة من الموظفين فإن الضرر لا يتوقف عند فقدان الكفاءات. فالمنظمة قد تفقد معها الخبرة المتراكمة والعلاقات مع العملاء وفهم وسرعة العمليات، واستمرارية الأعمال. ومحتمل أن تجد الإدارة نفسها أمام فراغ مفاجئ يحتاج لأشهر أو سنوات لتعويضه.
لذلك، أعتقد أن المنظمات الكبيرة بحاجة إلى وضع آليات واضحة للتعامل مع هذه الحالات، ومنها تنظيم انتقال الموظفين بعد انتقال المدير، وبما يتوافق طبعاً مع الأنظمة والقوانين وعقود العمل. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أن تتضمن بعض عقود القيادات التنفيذية أو اتفاقيات الخروج التزاماً بعدم استقطاب موظفي المنظمة لفترة محددة كعام أو عامين مثلاً.
لكن الوقاية لا تبدأ عند استقالة المدير بل تبدأ قبل ذلك بكثير. ومن أفضل الأدوات الإدارية في رأيي تدوير المديرين بين الإدارات. فالمدير الذي يقضي سنوات طويلة في الإدارة نفسها قد يبني مع الوقت جذوراً عميقة وعلاقات شخصية ودوائر نفوذ وطرق عمل مرتبطة به وبفريقه. أما التدوير فيمنح المنظمة فرصة لكسر الاعتماد على الأشخاص ويجعل العلاقة الأساسية للموظف مع المنظمة وليس مع المدير.
كما أن تدوير المدير هو بمثابة مراجعة داخلية غير مباشرة. فحين يأتي مدير جديد بعين مختلفة، يبدأ «ينبش» ويتساءل لماذا نفعل هذا؟ لماذا اتخذ هذا القرار؟ لماذا هذه الآلية؟ ولماذا هذا الموظف في هذا الدور؟ وقد يكتشف أموراً لم تكن ظاهرة لمن عاش تفاصيل الإدارة لسنوات.
فالمدير الجديد لا يراجع فقط العمل، بل يراجع أحياناً إرث الإدارة السابقة.
المنظمة الصحية لا ينبغي أن تعتمد على الأشخاص إلى درجة يصبح فيها رحيل شخص واحد سبباً في رحيل مجموعة كاملة. المطلوب أن تكون الولاءات للعمل، وللمنظمة، ولأهدافها، لا للأشخاص.
فالمدير الناجح هو من يبني فريقاً قوياً للمنظمة، وليس فريقاً ينتقل معه أينما ذهب.
وفي النهاية، استقالة المدير ليست المشكلة، وانتقال الموظف ليس جريمة. المشكلة الحقيقية أن تكتشف المنظمة بعد رحيل أحد قياداتها أن جزءًا من إدارتها كان يعمل للأشخاص أكثر مما يعمل للمؤسسة.
وهنا لا تكون المشكلة في «الهجرة الجماعية» فقط، بل في أن المنظمة سمحت منذ البداية بأن تكون لها جذور مرتبطة بالأشخاص، بدلاً من أن تكون جذورها راسخة في المؤسسة نفسها.