د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في الليلة التي تسبق العودة بعد الإجازة الصيفية، تتكرر طقوس معتادة في أغلب البيوت السعودية: منبّه نضبطه على ساعة مبكرة، وحقيبة وأقلام ودفاتر تُجهّز في آخر لحظة، وفي البيوت التي لديها أبناء في مراحل مختلفة، تتحول الليلة إلى حالة استنفار مع أمهات يكررن الطلب نفسه: ناموا مبكرًا؛ وهو الطلب الذي لا يُنفذ غالبًا.
في جدة ومكة والمدينة والطائف، حصل الطلاب على أسبوع إضافي من إجازة الصيف. وكان ذلك مكسبًا جميلًا، خصوصًا وهم يشاهدون طلاب بقية المناطق يعودون إلى مدارسهم قبلهم، لكن الأسبوع مرّ سريعًا كعادته، وها هو يوم العودة يصل إليهم أيضًا.
وأنا أتأمل اختلاف مشاعر العودة، تذكرت مصطلح «الاثنين الأزرق» (Blue Monday)، الذي كنت أسمعه كثيرًا خلال سنوات ابتعاثي في بريطانيا. كان يُطلق على الاثنين الثالث من يناير، الذي أشيع أنه أكثر أيام السنة كآبة. وللون الأزرق في ثقافتهم دلالة مرتبطة بالحزن؛ فعبارة feeling blue تعني انخفاض المزاج. وهذه التسمية مفهومة وسط برد يناير وسمائه الرمادية وانتهاء إجازة عيد الميلاد لديهم.
ولست أقارن هنا بين شتائهم وصيفنا، ولا بين إجازة عيد الميلاد وإجازتنا الصيفية، فنحن لم نعتد أن نمنح أول يوم بعد الإجازة اسمًا متشائمًا. بل نستقبل العودة كبداية جديدة واعدة؛ فتمتلئ المتاجر بالحقائب والدفاتر، وتتبادل الأسر صور أبنائها في صباحهم الدراسي الأول، وتزدحم الرسائل في أجهزتنا بعبارات نتفنن فيها بالتبشير بعام دراسي ناجح وموفق.
لكن غياب ثقافة «العودة الحزينة» لا يعني أن الجميع يعود بالطريقة نفسها. بعضنا يعود من تكليف صيفي كأنه لم يغادر الجامعة أصلًا، مثل كاتبة هذه السطور، وبعضنا يعود من سفر أو سهر أو صيف طويل لم يحدث فيه شيء.
وهناك من يعود في هذا العام الدراسي إلى بداية جديدة كليًا؛ مثل طلاب الجامعات المستجدين. فهؤلاء لا يعودون إلى مقاعد سبق أن عرفوها، بل يبدؤون حياة مختلفة، وقد يغادر بعضهم بيت أسرته للمرة الأولى.
فمع المنصة الوطنية للقبول الموحد، لم تعد خيارات الطلبة محصورة في جامعات مدينتهم. فقد أصبحت جامعات المملكة وتخصصاتها أمامهم في شاشة واحدة. وهذه خطوة مباركة وسّعت فرص القبول، لكنها تعني أيضًا أن بعض الطلبة وجدوا أنفسهم مقبولين في جامعة تبعد مئات الكيلومترات عن مقر سكنهم، وربما أكثر من ألف كيلومتر. وبعد الضغط على زر «تأكيد القبول» ستتغير حياتهم بشكل كامل.
هناك طالب ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات، ويتحدث بحماس عن المدينة الجديدة والسكن والاستقلال. وهناك طالب آخر سعيد بقبوله، لكنه كلما اقترب موعد السفر شعر بالخوف والتوتر. وقد تكون هناك طالبة اختارت الجامعة البعيدة بنفسها، ثم اكتشفت عند ترتيب حقيبتها للذهاب أن اتخاذ القرار شيء، وتنفيذه فعلًا شيء آخر.
لا يعني الخوف عدم الاستعداد؛ فمن الطبيعي أن يفرحوا بالفرصة ويخافوا منها في الوقت نفسه. فالتغييرات كبيرة، والخروج من نمط حياتهم المألوف ليس سهلًا، لذلك تكون مشاعر البدايات لديهم مختلطة. المهارات التي سيتعلمونها خلال عامهم الجامعي الأول لن تكون فقط من ضمن التخصص الدراسي. سيتعلم أحدهم كيف يدير مصروفه، وسيكتشف آخر أن غسيل الملابس يتضمن فصل الملابس البيضاء عن الملونة، كما سيتعلمون حل مشاكلهم بنفسهم وترتيب مواعيدهم، والتعامل مع رفيق سكن قد يختلف عنهم في الطباع.
وتهتم الجامعات، طبعًا، بأن يعرف الطالب أماكن قاعاته الدراسية، وطريقة تسجيل مقرراته، واللوائح التي ينبغي عليه الالتزام بها.
كل ذلك مهم، لكن الطالب القادم من مدينة بعيدة لديه احتياجات إضافية: ماذا أفعل إذا مرضت؟ لمن ألجأ إذا واجهت مشكلة؟ هل من الطبيعي أن أرغب في العودة إلى بيتي بعد أيام فقط؟ وكيف أتعرّف إلى أشخاص جدد في مكان لا أعرف فيه أحدًا؟
في الأيام الأولى، يحتاج الطالب إلى من يعرّفه بالتفاصيل التي لا تذكرها الأدلة الجامعية. وقد يعرف بعضها من طالب سبقه إلى الجامعة، يجيب عن أسئلته ويدله على المكان الصحيح، إلى جانب جهة واضحة يستطيع الرجوع إليها عند الحاجة، قبل أن يتحول أمر بسيط إلى سبب للتعثر أو الانسحاب.
هنا يبرز دور عمادة شؤون الطلاب في الجامعات الذي لا يقتصر على الأنشطة والخدمات، بل يمتد إلى مساندة الطلبة خلال هذه المرحلة، ومساعدتهم على التكيف مع البيئة الجامعية، وتقديم الدعم الذي يحتاجون إليه حتى يبدأوا حياتهم الجامعية بثقة واستقرار.
وسواء كانت العودة هذا الأحد أم كانت قد بدأت قبله بأسبوع، فهي بداية عام جديد من العمل والتعلم والسعي، وجزء من حركة وطن كامل نحو المستقبل. فالطلاب والطالبات الذين غادروا مدنهم حملوا معهم أحلام أسرهم، وحملوا أيضًا جزءًا من تطلعات هذا الوطن. وقد يصبحون بعد تخرجهم كفاءات في الطب والهندسة والتعليم والبحث، وربما يستقر بعضهم في المدينة نفسها التي خافها في يومه الأول.
أخيرًا، تحية لطلبةٍ همّتهم كجبل طويق؛ يمضون بعزم رغم رهبة البدايات، مدركين أن هذه الفرصة التي قد تغيّر حياتهم ستسهم في صنع مستقبلهم وفي بناء الوطن.