د.شريف بن محمد الأتربي
في حقب كثيرة من التاريخ، احتكرت أمم بعينها تصدير التعليم إلى العالم، ولا تزال تفعل. أحيانًا عبر معلميها الذين يجوبون القارات ليقدموا الدعم للتعليم وللطلبة والمعلمين في الدول التي يصلون إليها، أو حاملين لغة بعينها أو منهجًا بعينه يدرسونه في هذه الدول، وأحيانًا عبر كتبها ومناهجها التي تتصدر رفوف المدارس والجامعات في دول بعيدة عن حدودها.
ولم تكن تلك الأمم تكتفي بتعليم أبنائها في أوطانهم، بل أدركت مبكرًا أن التعليم يمكن أن يتجاوز وظيفته الأساسية في بناء الإنسان، ليصبح صناعة معرفية، وموردًا اقتصاديًا، وأداة للقوة الناعمة والنفوذ الثقافي.
فالطالب الذي يذهب إلى دولة أخرى للدراسة لا يشتري مقعدًا دراسيًا فقط. إنه يستخدم السكن والمواصلات والاتصالات والخدمات، ويتعرف إلى الثقافة واللغة، ويبني علاقات قد تمتد معه طوال حياته. والمنهج الذي ينتقل من دولة إلى أخرى لا ينقل المعرفة وحدها، بل ينقل معه طريقة في التفكير ورؤية للعالم. والمنصة التعليمية التي تستخدمها مدارس دولة أخرى لا تقدم خدمة تقنية فحسب، بل تفتح سوقًا جديدة لصناعة معرفية يمكن أن تتوسع عبر الحدود.
وهكذا أصبح التعليم في بعض الدول جزءًا من اقتصادها، وجزءًا من حضورها الدولي في الوقت نفسه.
خذ بريطانيا مثالًا. فقد أصبح التعليم الدولي أحد قطاعاتها المهمة في صادرات الخدمات، ولم يعد التعامل معه مقتصرًا على الجامعات باعتبارها مؤسسات أكاديمية، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع ترتبط بالبحث العلمي، والابتكار، والخدمات، وسوق العمل، والعلاقات الدولية.
وأستراليا تقدم نموذجًا آخر أكثر وضوحًا؛ فقد تحولت خدمات التعليم الدولي إلى أحد أهم مصادر صادرات الخدمات لديها، وأصبح الطالب الدولي جزءًا من اقتصاد متكامل يستفيد منه قطاع التعليم والسكن والنقل، والتقنية، والخدمات وغيرها.
والمغزى هنا ليس مقارنة المملكة ببريطانيا أو أستراليا، فلكل دولة ظروفها وسوقها ونظامها التعليمي، وإنما الإشارة إلى فكرة أكبر:
هذه الدول لم تنتظر أن يصبح التعليم منتجًا قابلًا للتصدير من تلقاء نفسه؛ بل بنت له منظومة.
والحال عندنا؟
حين ننظر إلى حجم ما تنفقه المملكة -أعزها الله- على التعليم، لا يمكن أن نقول إن التعليم لم يحظَ بالاهتمام أو الموارد.
فالتعليم ظل لعقود أحد أكبر مجالات الإنفاق الحكومي، باعتباره استثمارًا في الإنسان السعودي، وفي رأس المال البشري الذي تقوم عليه التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا الاستثمار يتوافق تمامًا مع ما جعلته رؤية السعودية 2030 من بناء الإنسان وتنمية قدراته محورًا أساسيًا للتحول الوطني.
لكن، بعد سنوات طويلة من الإنفاق والتطوير والإصلاح، ربما آن الأوان لأن نطرح سؤالًا مختلفًا.
ليس السؤال: كم أنفقنا على التعليم؟
فهذا السؤال مهم، لكنه لم يعد كافيًا.
السؤال الجديد هو:
ماذا أنتج لنا هذا الاستثمار من أصول معرفية يمكن أن تتجاوز حدود المملكة؟
هل يمكن أن تكون لدينا مناهج قابلة للتصدير؟
هل يمكن أن تكون لدينا منصات تعليمية تنافس خارج المملكة؟
هل يمكن أن تصبح خبراتنا في بناء المنظومات التعليمية منتجًا يباع لدول أخرى؟
هل يمكن أن تصبح حلول الذكاء الاصطناعي التي نطورها في مدارسنا وجامعاتنا منتجات عالمية؟
وهل يمكن أن تتحول اللغة العربية، بما تمثله من امتداد ثقافي وديني وحضاري، إلى سوق تعليمية ضخمة نمتلك جزءًا معتبرًا منها؟
هذه الأسئلة لا تعني أن لدينا قصورًا في التعليم، ولا تعني أن الهدف من التعليم يجب أن يتحول من خدمة المجتمع إلى تحقيق الربح.
على العكس.
هي تعني أن الاستثمار الكبير في التعليم يمكن أن تكون له عوائد متعددة، وليس عائدًا واحدًا فقط.
العائد الأول هو الإنسان السعودي المتعلم والقادر على المشاركة في التنمية.
أما العائد الثاني الممكن فهو أن تنتج المنظومة التعليمية نفسها معرفة وخبرة ومنتجات وخدمات يمكن أن تجد لها أسواقًا خارجية.
ماذا نملك ولا نبيعه؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إثارة للتأمل.
فنحن لا نبدأ من الصفر.
لدينا معلمون وخبراء وممارسون راكموا خبرات كبيرة عبر سنوات طويلة.
لدينا جامعات ومراكز بحثية ومؤسسات تدريب.
لدينا منصات رقمية وتجارب واسعة في التحول الإلكتروني للتعليم.
لدينا تجربة ضخمة في إدارة نظام تعليمي يخدم ملايين الطلاب والطالبات في مراحل تعليمية مختلفة.
ولدينا تجربة متسارعة في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في التعليم.
ولدينا قبل ذلك كله سوق تعليمية محلية ضخمة تمثل مختبرًا واسعًا يمكن أن تُختبر فيه المنتجات والحلول قبل طرحها عالميًا.
وهذا عنصر قوة لا تملكه كثير من الدول.
فالمنتج التعليمي الذي ينجح في منظومة تعليمية واسعة ومتنوعة مثل منظومتنا، ويثبت أثره بأدلة ومؤشرات، يمكن أن تكون لديه فرصة حقيقية للانتقال إلى أسواق أخرى.
لكن المشكلة أننا غالبًا ما ننظر إلى هذه العناصر باعتبارها خدمات داخلية، لا باعتبارها أصولًا معرفية قابلة للتحويل إلى منتجات.
لدينا الخبرة، لكن هل وثقناها وحولناها إلى منتج؟
لدينا المنصات، لكن هل صممنا نماذج ترخيص تمكنها من العمل في أسواق أخرى؟
لدينا المحتوى، لكن هل بنيناه وفق معايير تسمح بترجمته وتكييفه؟
لدينا التجارب، لكن هل قسنا أثرها ووثقناه بما يكفي لكي تقنع دولة أخرى بشرائها؟
لدينا الأفكار، لكن هل منحناها الوقت والبيئة التي تمكنها من التحول إلى شركات ومنتجات؟
هنا تحديدًا تكمن الفجوة
ولعل لدينا بالفعل نماذج أولية تؤكد أن الفكرة ليست بعيدة عن الواقع. فمنصات مثل مدرستي وروضتي، وتجربة قنوات عين، ونظام نور، إلى جانب البنية الرقمية والخبرات التي تراكمت حول إدارة التعليم الإلكتروني على نطاق واسع، كلها تمثل أصولًا وتجارب يمكن أن ننظر إليها ليس فقط باعتبارها خدمات محلية، بل باعتبارها خبرات سعودية قابلة للبناء عليها والتوسع بها.
ليس المقصود بالضرورة أن نصدر هذه المنصات كما هي، فلكل دولة نظامها ومناهجها واحتياجاتها، وإنما أن نسأل: ماذا تعلمنا من بنائها وتشغيلها؟ وما التقنيات والمنهجيات ونماذج التشغيل التي يمكن أن تتحول إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير؟
وهنا تتحول التجربة المحلية من خدمة نستخدمها إلى معرفة يمكن أن يستفيد منها الآخرون.
اللغة العربية.. سوق لا تزال أكبر من استثمارنا فيها
خذ اللغة العربية مثالًا.
نحن لا نتحدث عن لغة محلية محدودة الانتشار، وإنما عن لغة يتحدث بها مئات الملايين، ويتعلمها ملايين آخرون لأسباب دينية، وثقافية، وأكاديمية، ومهنية.
ومع ذلك، فإن حجم الصناعة التعليمية العالمية المرتبطة بتعليم العربية لا يعكس بالضرورة حجم الإمكانات التي تملكها اللغة.
السؤال إذن ليس: كم عدد المتحدثين بالعربية؟
بل:
كم منتجًا تعليميًا عربيًا عالميًا صنعنا؟
أين المنصات التي يتعلم من خلالها الطالب في إندونيسيا، أو ماليزيا، أو نيجيريا، أو أوروبا اللغة العربية بطريقة حديثة وتفاعلية؟
أين المحتوى الذي يجمع بين تعليم اللغة، والثقافة، والتاريخ، والمعرفة؟
أين البرامج التي يمكن للمدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية خارج العالم العربي أن تشتري تراخيصها؟
إن اللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل يمكن أن تكون سوقًا تعليمية عابرة للحدود.
والمملكة، بما لها من مكانة دينية وثقافية، وبما تملكه من إمكانات تقنية واقتصادية، يمكن أن تكون لاعبًا رئيسًا في هذه الصناعة إذا انتقلنا من الحديث عن أهمية اللغة العربية إلى بناء منتجات عالمية لتعليمها.
التجربة السعودية.. من خبرة محلية إلى منتج عالمي
الأمر نفسه ينطبق على التجربة التعليمية السعودية.
لقد شهد التعليم في المملكة خلال العقود الماضية تحولات متتابعة، من التوسع الكبير في البنية التعليمية، إلى التحول الرقمي، إلى تطوير المناهج، إلى أنظمة التعليم الإلكتروني، إلى إعادة النظر في مهارات المستقبل، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات التعليمية الحديثة.
هذه الرحلة لا تخلو من تحديات أو أخطاء، وهذا طبيعي في أي عملية إصلاح واسعة.
لكن الأخطاء نفسها يمكن أن تكون معرفة.
فالذي يريد بناء نظام تعليمي في دولة أخرى لا يبحث فقط عن قصص النجاح؛ بل يبحث عن معرفة ما الذي نجح، وما الذي لم ينجح، ولماذا، وكيف يمكن تجنب الأخطاء.
وهنا تصبح الخبرة المتراكمة قيمة قابلة للتصدير.
يمكن أن تقدم المملكة خبراتها في مجالات محددة لدول أخرى، من خلال الاستشارات، وبرامج بناء القدرات، وتطوير القيادات التعليمية، وتدريب المعلمين، وتصميم الأنظمة، والتحول الرقمي، وإدارة المنصات التعليمية، وغيرها.
لكن لكي يحدث ذلك، علينا أن نتوقف عن التعامل مع الخبرة بوصفها معرفة شخصية لدى أفراد، وأن نحولها إلى منهجيات وأدلة ونماذج وخدمات قابلة للنقل والقياس والتكرار.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة لا ينبغي أن نستهلكها فقط
وهنا تأتي فرصة أخرى ربما تكون الأهم في السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي لا يغير التعليم فقط؛ بل يفتح الباب أمام نشوء صناعة تعليمية جديدة بالكامل.
فالمملكة التي تستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي يمكنها ألا تكتفي باستخدام منتجات الآخرين داخل مدارسها وجامعاتها، وإنما أن تطور حلولها الخاصة.
خذ فكرة المقرر الذكي على سبيل المثال.
المقرر التقليدي يقدم المحتوى نفسه لجميع الطلاب، بينما يمكن للمقرر الذكي أن يتطور ليقدم المحتوى بطريقة تتناسب مع مستوى الطالب واحتياجاته وسرعة تعلمه، وأن يستفيد من بيانات التعلم ليقترح أنشطة ومسارات مختلفة.
إذا تحولت مثل هذه الفكرة من مشروع تقني إلى منتج تعليمي ناضج، موثوق، قابل للقياس والترخيص، فإن السوق لن تكون مدارس المملكة فقط.
يمكن أن يكون المنتج صالحًا لأسواق أخرى، مع تكييفه، وفق لغتها، ومناهجها، وثقافتها.
وهنا نكون قد انتقلنا من استخدام التقنية التي ينتجها الآخرون إلى إنتاج تقنية يمكن أن يستخدمها الآخرون.
لكن التعليم ليس سلعة..
قد يعترض البعض على فكرة تصدير التعليم من أساسها، باعتبار أن التعليم رسالة إنسانية لا سلعة تجارية.
وهذا اعتراض مفهوم إذا كان المقصود بالتصدير أن نحول التعليم إلى تجارة خالية من القيمة.
لكن هذا ليس المقصود.
التعليم سيبقى قبل كل شيء حقًا ومسؤولية واستثمارًا في الإنسان.
غير أن ذلك لا يمنع أن تكون المعرفة الناتجة عن التعليم، والتقنيات التي تطورها مؤسساته، والخبرات التي تراكمها كوادره، والمنتجات التي تنتجها شركاته، ذات قيمة اقتصادية يمكن تبادلها عالميًا.
فالطب رسالة إنسانية، لكنه أصبح صناعة.
والبحث العلمي خدمة للإنسان، لكنه أنتج شركات وتقنيات وصناعات.
والثقافة قيمة إنسانية، لكنها أصبحت أيضًا جزءًا من الاقتصاد الإبداعي.
والتعليم ليس استثناءً.
المسألة إذن ليست تحويل التعليم إلى سلعة، وإنما تحويل بعض مخرجاته المعرفية إلى منتجات وخدمات ذات قيمة.
وهذا فرق جوهري.
من المنتج إلى منظومة التصدير
لكن الوصول إلى الأسواق العالمية لا يحدث بمجرد أن نمتلك منتجًا جيدًا.
الدول لا تشتري منتجًا تعليميًا لأن صاحبه يقول إنه ناجح.
إنها تريد أن تعرف: ما أثره؟ ما نتائج استخدامه؟ هل هو معتمد؟ هل يمكن تكييفه؟ هل يحمي بيانات الطلاب؟ هل يمتلك حقوقه الفكرية؟ هل يمكن دعمه وتطويره؟ وهل يمكن أن يستمر لسنوات؟
ولهذا فإن تصدير التعليم يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الجودة وتنتهي عند السوق.
جودة المنتج.
ثم قياس أثره.
ثم توثيق نتائجه.
ثم الاعتماد وحماية الملكية الفكرية.
ثم تحويله إلى منتج تجاري واضح.
ثم بناء نموذج للتسعير والترخيص.
ثم التسويق الدولي.
ثم الشراكات.
ثم التوسع.
بمعنى آخر:
لا يكفي أن يكون لدينا تعليم جيد؛ يجب أن نمتلك القدرة على تحويل التعليم الجيد إلى منتج يمكن للعالم أن يثق به ويشتريه ويطبقه.
وهنا تظهر أهمية القطاع الخاص.
ويقود هذا الملف في تقديري نموذج شراكة واضح بين وزارة التعليم بصفتها مالك الخبرة والمنظومة، والجامعات ومؤسسات التدريب بصفتها منتجة للمعرفة، والقطاع الخاص بصفته القادر على تحويل هذه المعرفة إلى منتجات قابلة للتسويق، على أن تعمل جهات التصدير والاستثمار والتقنية على فتح الأسواق وبناء الشراكات الدولية.
فالدولة تستطيع أن تبني البيئة، وتوفر البيانات، وتدعم البحث والتطوير، وتفتح الأسواق، وتبني المعايير.
لكن تحويل الفكرة إلى منتج عالمي يحتاج إلى شركات تعرف كيف تطور المنتج، وتحمي ملكيته الفكرية، وتسوقه، وتبني شبكات التوزيع والشراكات، وتنافس في الأسواق الدولية.
من مستهلك إلى مُصدِّر
الفرق بين الدولة التي تنظر إلى التعليم بوصفه خدمة، والدولة التي تنظر إليه أيضًا بوصفه صناعة قابلة للتصدير، ليس في حجم الإنفاق وحده؛ بل في العائد الذي تتوقعه من هذا الإنفاق.
نحن نستثمر في التعليم من أجل أبنائنا، وهذا هو الهدف الأول والأهم.
لكن لماذا لا يكون لهذا الاستثمار عائد ثانٍ؟
لماذا لا تتحول بعض الخبرات والحلول التي نطورها داخل المملكة إلى منتجات وخدمات تُباع خارجها؟
لماذا لا نبحث عن المجالات التي يمكن أن تكون فيها المملكة منافسًا عالميًا؟
قد تكون ميزتنا في تعليم العربية.
وقد تكون في المحتوى الرقمي.
وقد تكون في الذكاء الاصطناعي التعليمي.
وقد تكون في تدريب المعلمين.
وقد تكون في إدارة المنظومات التعليمية واسعة النطاق.
وقد تكون في حلول طوّرناها لحاجاتنا المحلية، ثم اكتشفنا أنها قابلة للتطبيق في دول أخرى.
المطلوب ليس أن نقول إننا الأفضل في كل شيء.
بل أن نعرف في أي شيء يمكن أن نكون الأفضل أو الأكثر تنافسية، ثم نبني حوله صناعة.
لقد نجحت المملكة في قطاعات متعددة في الانتقال من موقع المستهلك إلى موقع المنتج والمنافس.
وفي التعليم أيضًا، يمكن أن نبدأ المسار نفسه.
ليس المطلوب أن نتوقف عن استيراد الخبرة العالمية؛ فالتجارب الناجحة في العالم ستظل مصدرًا مهمًا للتعلم والتطوير.
لكن المطلوب أن تكون العلاقة مع العالم أكثر توازنًا:
نتعلم منهم، ويستفيدون منا.
نستورد المعرفة، ونصدر المعرفة.
نشتري التقنية، ونطور التقنية.
نستفيد من التجارب العالمية، ونقدم للعالم تجربة تستحق أن تُدرس.
وهنا فقط يصبح التعليم جزءًا من اقتصاد المعرفة، وليس مجرد مستهلك له.
السؤال الذي يستحق أن نطرحه
لطالما تحدثنا عن الإنفاق على التعليم باعتباره استثمارًا في الإنسان، وهذه حقيقة لا جدال فيها.
لكن ربما حان الوقت لأن نضيف سؤالًا آخر إلى هذه المعادلة.
إذا كان التعليم استثمارًا، فإن الاستثمار لا يُقاس فقط بما أنفقناه، بل بما أنتجه.
وليس المقصود هنا قياس قيمة الإنسان بالمال، فهذه معادلة لا تليق بالتعليم.
المقصود أن نسأل عن القيمة المعرفية والاقتصادية التي يمكن أن تنتجها منظومة التعليم نفسها.
هل أنتجنا مناهج يمكن أن يشتريها الآخرون؟
هل أنتجنا منصات يمكن أن تنافس عالميًا؟
هل وثقنا خبراتنا بما يكفي لتصبح خدمات استشارية؟
هل طورنا حلولًا تقنية يمكن ترخيصها خارج المملكة؟
هل بنينا صناعة حقيقية حول تعليم اللغة العربية؟
هل يمكن لخبير تربوي سعودي أن يقدم خبرته لوزارة تعليم في دولة أخرى كما يفعل خبراء دول أخرى اليوم؟
إذا كانت الإجابة في بعض هذه المجالات «نعم»، فقد آن الأوان لأن ننتقل من التجربة إلى الصناعة.
فالمملكة التي أعادت خلال سنوات قليلة تعريف قطاعات اقتصادية كاملة، وفتحت أبوابًا جديدة للاستثمار، ورفعت سقف الطموح في مجالات كانت تُعد بعيدة المنال، قادرة كذلك على أن تنظر إلى التعليم بمنظور أوسع.
التعليم ليس مدرسة وجامعة ومنهجًا فقط.
إنه معرفة، وخبرة، وتقنية، ومحتوى، وبيانات، وبحث، وابتكار، ومنتجات، وخدمات.
وكل ذلك يمكن أن يصنع قيمة.
وإذا كنا قد تعلمنا من تجارب الآخرين، فلا يوجد ما يمنع أن يأتي يوم تتعلم فيه دول أخرى من تجربتنا.
وإذا كنا نستورد اليوم كثيرًا من المنتجات التعليمية والتقنيات والخبرات، فلا يوجد ما يمنع أن نصبح غدًا مصدرين لبعضها.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط:
كم ننفق على التعليم؟
بل السؤال الذي قد يعيد تعريف علاقتنا بهذا القطاع:
كم قيمة ما يمكن أن نبيعه للعالم مما أنفقناه على تعليمنا؟
عندها لن يكون التعليم استثمارًا في مستقبل أبنائنا فحسب، بل سيكون أيضًا صناعة سعودية للمعرفة، وقوة ناعمة، ومصدرًا جديدًا للقيمة يتجاوز حدود المملكة.
لذلك، فإن تصدير التعليم ليس فكرة جانبية ولا طموحًا نظريًا، بل ملف يحتاج إلى قيادة مؤسسية وشراكة واضحة بين التعليم والجامعة والقطاع الخاص، وجهات التصدير ،والاستثمار، والتقنية. فالقيمة التي راكمتها المملكة في تعليمها لن تتحول إلى أثر عالمي ما لم تُنظَّم، وتُقاس، وتُحوَّل إلى منتجات وخدمات قابلة للتطبيق خارج الحدود. وعندها فقط يصبح السؤال الأخير أكثر إلحاحًا: ليس كم أنفقنا على التعليم، بل كم من هذا الاستثمار يمكن أن يتحول إلى معرفة سعودية يثق بها العالم ويشتريها ويستفيد منها؟